تحلَّ اليوم السبت، الذكرى الثالثة للحرب الإسرائيلية الثانية على غزة أو ما تطلق عليها فصائل المقاومة الفلسطينية معركة "حجارة السجيل" التي خاضتها في مواجهة العدوان الإسرائيلي على القطاع في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012.
وبدأ الاحتلال عدوانه باغتيال نائب القائد العام لكتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة "حماس" أحمد الجعبري، وقائد الكتائب في القطاع إثر استهدافه مع مرافقه في غارة جوية من الطيران الحربي الإسرائيلي، بينما كانا يستقلان سيارة وسط مدينة غزة.
وأعلنت كتائب "القسام" أنها أطلقت 1573 قذيفة صاروخية على مواقع الاحتلال واستهدفت طائراته وآلياته، إضافة إلى استخدامها لأول مرة صواريخ بعيدة المدى، مبينة أنها أطلقت خلال معركة "حجارة السجيل" 6 صواريخ "M75" و6 صواريخ "فجر 5"، واحد منها باتجاه هرتسيليا شمال "تل أبيب" و3 باتجاه القدس المحتلة، و7 صواريخ باتجاه "تل أبيب" وصاروخ على بئر السبع.
واستخدم "القسام"، نوعًا جديدًا من الصواريخ التي صنعتها وطورتها وهي صواريخ M75 أو "مقادمة 75" وسمي كذلك نسبة للمفكر القيادي في "حماس" الشهيد إبراهيم المقادمة، ويصل مدى الصاروخ حتى 75 كم وتتكتم "حماس على مواصفاته، وهو شبيه بصواريخ فجر 4 و5 الإيرانية الصنع.
كما تمكنت كتائب القسام خلال معركة "حجارة السجيل" من إطلاق صاروخ "أرض جو" على طائرة حربية من نوع (إف 16) والذي مثل تهديدًا مباشرًا للقوة الجوية، وقدرتها على العمل في أجواء قطاع غزة.
واستطاع قصف بارجة بحرية وقتل من كان على متنها، كما تمكن من إسقاط طائرة استطلاع باختراق منظومتها، والسيطرة عليها والذي يشكل ضربة إستراتيجية للصناعات العسكرية الإسرائيلية.
أما "سرايا القدس" التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ، فأعلنت أنها أطلقت 600 صاروخ، من بينها صواريخ فجر 5 وكورنيت وبر بحر وC8K لأول مرة، بالإضافة إلى صواريخ غراد وقدس و107 قذائف هاون.
وأعلنت ألوية الناصر صلاح الدين عن إطلاق ما لا يقل 280 صاروخا وقذيفة هاون، بينما قالت كتائب الشهيد أبو علي مصطفى الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إنها أطلقت 245 صاروخا والعشرات من قذائف الهاون.
وأكدت كتائب المقاومة الوطنية الجناح العسكري للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، أنها أطلقت 150 صاروخا وقذيفة، فيما تبنت كتائب شهداء الأقصى إطلاق 81 صاروخا منها 50 غراد، والباقي أقصى محلي الصنع، و107، وصاروخ سام 7. أما الجماعات السلفية فأوضحت أنها أطلقت 67 صاروخا منها 20 غراد.
وكلفت صواريخ المقاومة حكومة الاحتلال نحو 30 مليون دولار لتشغيل نظام "القبة الحديدية" الدفاعية، وأعلن اتفاق وقف إطلاق النار لإنهاء عدوان الاحتلال عبر وزارة الخارجية المصرية بعد تدخلات أميركية وإقليمية واسعة النطاق على أن يتضمن رفع الحصار عن قطاع غزة وفتح معابره التجارية.
ولم يكن ظهور أحمد الجعبري، القيادي البارز في "كتائب القسام"، الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، بشكل علني خلال تسليم الجندي الصهيوني جلعاد شاليط للمخابرات المصرية يوم 18 تشرين أول/ أكتوبر 2011 ظهورًا عبثيًّا، وهو يعرف أن الاحتلال لن يتركه، لا سيما وهو يضعه على رأس المطلوبين لها.
إلا أن ظهوره هذا كان بمثابة رسالة موجهة للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال أنه أوفى بالوعد الذي قطعه على نفسه، وهو ويودعهم قبل الإفراج عنه من تلك السجون عام 1995م؛ ليؤكد لهم أن هذا الوعد لم يكن وعدًا في الهواء بل كان وعدًا حقيقيًّا وصادقًا، قطعه على نفسه، وسعى لتحقيقه، لإدراكه أكثر من غيره المعاناة الحقيقية التي يعيشها الأسرى في سجون الاحتلال، وأنهم على رأس أولوياتهم.
وظهر الجعبري فور وصول السيارة التي كانت تقل شاليط قادمًا من مخبئه على يسار السيارة، وحينما ترجل شاليط من السيارة اتجه الجعبري الذي كان يرتدي قميصًا سماويًّا إلى يمين شاليط وضابط المخابرات المصرية على يساره يمسكه بيده. وكان لهذا المشهد حينها أثر كبير على الأسرى داخل سجون الاحتلال، فهذا الرجل عاش مع الأسرى ثلاثة عشر عامًا كاملة، وفارقهم قبل ستة عشر عامًا بعد الإفراج عنه بعدما أتم مدة محكوميته، متعهدًا لهم أن لا يبقى أي أسيرٍ منهم في داخل هذه السجون.
وأدرك الشهيد الجعبري، بعد أن أمضى ثلاثة عشر عامًا في سجون الاحتلال (من عام 1982- 1995) أن تحقيق هذا الوعد ليس سهلًا ولكنه في الوقت ذاته ليس مستحيلًا، فعمل على تحقيق ذلك من خلال أسر جنود الاحتلال، وقد كان له ذلك بعد عشرة أعوام من الإفراج عنه، وذلك حينما تمكنت "كتائب القسام" وفصيلان آخران من أسر الجندي الصهيوني جلعاد شاليط في عملية فدائية نفذت صيف 2006م داخل أحد المواقع العسكرية للاحتلال جنوب قطاع غزة.
وتعود أصول عائلة الجعبري، الذي استشهد بغارة صهيونية الأربعاء 14 تشرين ثاني 2012 عن (51 عاما) إلى مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة، التي انتقلت إلى قطاع غزة مطلع القرن الماضي، حيث ترعرع نجلها أحمد في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، واعتقل حينما كان يبلغ من العمر 18 عامًا بتهمة مقاومة الاحتلال.
وحسب الذين عايشوا الجعبري في المعتقل، فإنه كان يتمتع بشخصية قوية وصاحب فكر وثقافة واسعة وشاملة للإسلام وللقضية الفلسطينية، وكان يجيد اللغة العبرية بطلاقة، وصاحب علاقات كبيرة ووثيقة مع كافة التنظيمات الفلسطينية المختلفة .
وكرّس الجعبري وقته خلال اعتقاله في السجون المركزية في السنوات التسع الأولى من اعتقاله للاطلاع وخدمة المعتقلين، وقاد معهم عددًا من الإضرابات، والتي انتزعوا فيها الكثير من الإنجازات، وكان في كثير من الأحيان يمثل الأسرى أمام إدارة السجن التي كانت تحترمه كثيرًا وتهابه كذلك لمواقفه القوية والحازمة.
واستلم الجعبري ملف الأسرى، حيث كان نشيطًا في هذا مجال بشكل كبير، جعل الجعبري يتفرغ للعمل في المجال العسكري لاسيما بعد الإفراج عن الشيخ صلاح شحادة من سجون الاحتلال عام 2000م، والذي كانت تربطه به علاقة قوية داخل السجن، ولاحقًا أصبحت علاقة نسب ومصاهرة.
وكان للجعبري دور كبير في قيادة العمل العسكري في انتفاضة الأقصى وتدرج في قيادة كتائب "القسام" ولعب دورًا لوجستيًّا كبيرًا، لاسيما بعد استشهاد قائدها العام صلاح شحادة، حيث عمل الجعبري على زيادة تدريب وتسليح كتائب القسام بشكل كبير، وحوّلها من مجموعات مسلحة إلى جيش شبه نظامي يتكون من ألوية وسرايا.
وبرز الجعبري بشكل كبير بعد نجاته من عملية اغتيال في السابع من آب (أغسطس) من عام 2004م حينما قصفت طائرة صهيونية منزل عائلته في حي الشجاعية شرق مدينة غزة فقتلت نجله محمد (23 عامًا) وشقيقه فتحي (38 عامًا) وصهره وعددًا من أقاربه ومرافقه علاء الشريف (27 عامًا)، إلا أنه أصيب بجراح طفيفة.
وبعد هذه العملية اختفى الجعبري عن الأنظار تمامًا لمدة عام تقريبًا، حيث ظهر بعد ذلك في إحدى الاعتصامات لأهالي الأسرى في مقر الصليب الأحمر بغزة، لكن بعيدًا عن وسائل الإعلام، وظل بعيدًا عن وسائل الإعلام، حيث ظهر في برنامج وثائقي واحد وتحدث عن نفسه وعن الجهاز العسكري لحركة "حماس"، إلا أنه بعد ذلك لم يصدر عنه أي تصريح وتوارى عن الأنظار بالكامل.
وكثر الحديث عن الجعبري بعد أسر الجندي جلعاد شاليط في 25 حزيران/ يونيو 2006 وبدأت المصادر الصهيونية تحمله المسؤولية عن ذلك دون أن يظهر هو في أي مكان أو يصدر عنه أي تصريح.
وتحدثت الدولة العبرية عن أنها أخفقت خلال الحرب على غزة قبل عامين من تصفية الجعبري، وذلك على الرغم من رصده في أكثر من مكان حسب ادعائها، وأنها على يقين أنه الرجل الوحيد الذي كان يتحكم بمصير شاليط.
وأضاف مقربون من الجعبري أنه هو من كان يقود المفاوضات غير المباشرة حول شاليط بالإضافة إلى ثلاثة قادة آخرين، وأنه كان حاسمًا في ذلك الأمر ولا تؤثر عليه أي ضغوط خارجية، وكان يدرك طبيعة القائمة التي وضعها للأسرى والتي من المقرر أن يفرج عنهم بموجبها وتنوعها، بحيث تشمل الأسرى القدامى وكذلك قادة الفصائل والنساء والأطفال والمرضى ولكل اسم في هذه القائمة معنى عند هذا الرجل.
وحسب مراقبين فإن "حماس" تمكنت خلال مفاوضاتها غير المباشرة أن تفرض شروطها على الجانب الصهيوني وتم كسر الكثير من المعايير، وأن المفاوض الفلسطيني يتمتع بخبرة وصبر كبير ويعرف ماذا يريد وليس بالسهل الضغط عليه، لاسيما بعدما فشلت دولة الاحتلال باستعادة شاليط بالقوة.
وكان الجعبري عنيدًا جدًّا في انتزاع حقوق الأسرى خلال المفاوضات مع إدارة السجون، حيث كان صعبًا جدًّا في التفاوض على "ملعقة" يطلب دخولها للأسير وهو معتقل، ويرفض التنازل عنها فما بالك حينما يتفاوض على حرية أسرى أمضوا سنوات في سجون الاحتلال وبيده جنديٌّ صهيوني وهو خارج المعتقل وتحت إمرته الآلاف من المقاتلين المدربين والمجهزين جيدًا، بحسب المقربين منه.
أرسل تعليقك