أقاصيص قصيرة جدًا
آخر تحديث GMT 14:16:32
 فلسطين اليوم -

أقاصيص قصيرة جدًا

 فلسطين اليوم -

أقاصيص قصيرة جدًا

عمار علي حسن

الطاغية الذى ملأ الأرض ناراً ودماً، لم يجد من يلوذ به فى لحظة انكساره سوى كتف امرأة يعشقها، وضع رأسه عليه، وبكى بحرقة، وهو يكتم نشيجه الحار حتى لا يصل إلى أسماع مطارديه.

غمست أصابعها الناعمة فى شعره المسترسل، والعجب يملأها، إذ لم تكن قد رأته هكذا أبداً، بل تخيلت أنه إذا بكى فسيسقط من عينيه حصى مسنون وجمر صافٍ.

قلبت وجهه الخشن فرأته طفلاً لوّعه ضياع لعبته، وتذكرت كيف كان يلهو بمن حكمهم سنين قبل أن يخلّى ملكه وراء ظهره.

كان بالفعل طفلاً، وتمنت هى لو أن هذه الهزيمة قد جاءت قبل سنين حتى تلهو بصغيرها زمناً طويلاً.

صور

جلس الولد ذو الجسد المطلى بالشحوم والزيوت والطين وسط الأطباق اللاقطة المبعثرة على سطح البناية الشاهقة. حملق فى تجاويفها الناعمة التى يحط عليها غبار كثيف، فرأى رجلاً وسيماً يقبّل امرأة جميلة، ولاعباً يركل كرة فتهوى بعيداً، وشجراً يهتز تحت مطر شديد، وعرائس من خشب وقطن تتراقص يمنة ويسرة، وأسداً يلتهم وعلاً، وضباعاً تربض بعيداً تنتظر انتهاءه من طعامه، وهدهداً يحلق فى سماء قريبة، ثم يهبط على مهل، ونهراً عذباً جارياً، ينجرح فى طريقه، فتظهر ترعاً وسيعة، ومسارب ضيقة، وشاباً يتشاجر مع قرينه على جسر عالٍ.

فرك الولد عينيه وهو يغمضهما، ثم فتحهما فجأة، وراح يخلع ملابسه على مهل، ليلقى جسده فى النهر، محاذراً من أن يراه الأسد والضباع، أو ينبئ الهدهد الشابين المتشاجرين بما فعل.

شطرنج

حرك بيدقه الأسود فحاصر الملك الأبيض، وأدرك خصمه أن قد خسر اللعبة. عندها ترك الرقعة، ووقف يرقص بشدة، ويقول:

- من هنا فى هذا المقهى المعزول الصغير يمكن أن تجرى معجزة لا ينالها البشر فى ساحات الحياة المديدة.

احتلال

وأنا جالس فوق بقعة أرض محتلة، رفعت بصرى إلى الوهج والنور الغامر، وسألته:

- لماذا لا نسمع يوماً عن الشمس المحتلة؟

ورأيت طائرات حربية تمرق فى الفضاء إلى أعلى، ودبابات تطحن جنازيرها الهواء، وناقلات جند تصعد على عجل، وأنساقاً متتابعة من جنود لا حصر لهم يصوبون بنادقهم فى وجه الفراغ، ويحفرون خنادقهم فى قطع السحاب المتتابعة، ثم يفارقونها ويغيبون فى الأزرق الفسيح.

لم تمض سوى ساعات حتى رأيت جمرات ضخمة تتساقط من جوف السماء، كانت تتوهج أمامى، لكنها قبل أن تصل إلى البقعة التى أجلس عليها، اختفت تماماً، وبدا قرص النار والنور أقرب إلى رأسى من أى وقت مضى.

قنبلة

قضى ثلاث ليالٍ يجهز قنبلته وحوله البارود والمسامير، وصفائح من صاج. طاف ذهنه وهو عاكف على صناعة الموت بمشاهد ملأت رأسه، جثث ممزقة ملقاة فى الشارع، وبرك من دماء تتابع بلا انتهاء، وذعر يسكن عيون العابرين، وصافرة عربات الشرطة تنعق بلا هوادة، وكاميرات التليفزيونات تهرع لتمسح المكان، وتحط على وجوه الثكالى، وتبرق الدموع فى ضوئها المبهر.

فى الليلة الرابعة أراد التأكد من أن قنبلته جاهزة، فقلبها ومد يده فى حذر إلى فتيل صغير، فانفجرت. ولم يجد الناس سوى جثة واحدة، لم يبك عليها أحد، ولا سعت إليها كاميرا، ولا زعقت نحوها أبواق عربات الشرطة، وانصبت عليها كل اللعنات.

حرب

قرر الصاروخ الذى أطلقته الطائرة بالغة التعقيد والتطور أن ينحرف عن الهدف الذى هو ذاهب إليه بدقة متناهية، بعد أن رأى طفلين يلعبان الكرة، وشجرة ترقص فى النسيم، وقطة منكمشة إلى جانب سور البناية العسكرية التى أخلاها الجنود قبل نصف ساعة فقط.

شكوى

يخرج عند الضحى من بيته على حماره قاصداً حقله. فى الطريق يستوقف المارة، لا يترك أحداً إلا ويقضى ويشكو له حاله، الزوجة المريضة والديون التى تراكمت وإخوته الذين ظلموه وابنه الغائب.

حفظ الناس حكايته التى لا يمل من تكرارها، ويضيف إليها كل يوم عبارات أخرى بقدر ما يسعفه لسانه. لم يعد لديه جديد، فكان الناس يتجنبونه، مختبئين بين الزروع، أو مسرعين وهم يديرون وجوههم إلى الناحية الأخرى.

عرف أن الكلام مع الناس لا يرجى منه، فكان يخاطب حماره، ويكلم الشجر والنخيل. لم يرد عليه أى منها، فراح يرفع يديه إلى الفضاء، ويكلم الله، مكتفياً به عن الناس والأشياء.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أقاصيص قصيرة جدًا أقاصيص قصيرة جدًا



GMT 13:02 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ملاحظات أولية لمواطن بسيط

GMT 12:58 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه الجديد للأزمة الأميركية

GMT 12:53 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أسرانا المنسيين

GMT 12:49 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

سيد بايدن: فكّر بغيرك

GMT 12:44 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ثمّة متسعٌ للمزيد

GMT 08:01 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حذارِ من الحرب الأهليّة في فرنسا

GMT 14:10 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 13:52 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الثلاثاء الكبير: إسرائيل بانتظار بايدن!

أعادتنا هذه الموضة إلى عالم الأربعينات والخمسينات

تعرفي على إطلالات النجمات العالميات بأسلوب "الريترو"

القاهرة ـ فلسطين اليوم
تنوّع النجمات في إطلالاتهن على السجادة الحمراء، فمنهن من يقررن اعتماد طابعًا معينًا ومنهن من يفضلن البساطة، إلا أننا لاحظنا أن عددًا من النجمات العالمية فضلن هذه الفترة اعتماد موضة الريترو المستوحاة من الحقبات القديمة بحيث اخترن فساتين ذات قصات قديمة وقرروا اعادتها الى الواجهة. لذا تعرفي الى أبرز من اعتمدها، وكيف يمكن أن تنسقيها بأسلوبك الخاص. فساتين بطابع الريترو لا يمكن أن تغيب التصاميم القديمة عن ساحة الموضة فهي تعتبر هوية الموضة الحالية وارثها الثمين. من هنا قررت النجمات أن يعدن هذه الموضة الى الساحة الجمالية والخاصة بعالم الموضة تحديداً، فرأينا فساتين بقصات متنوعة مستوحاة من الحقبات الماضية. عودة الى أربعينات وخمسينات القرن الماضي لا تُشكّل العودة في الصيحات ‘لى سنوات قليلة مضت، بل على العكس أعادتنا هذه الموضة ...المزيد

GMT 11:06 2020 الأحد ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

5 حيل لديكورات غرف نوم أكثر جمالًا تعرفي عليها
 فلسطين اليوم - 5 حيل لديكورات غرف نوم أكثر جمالًا تعرفي عليها

GMT 06:41 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 13:42 2020 الجمعة ,03 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 12:28 2020 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يهنىء بايدن بالفوز على ترامب

GMT 16:30 2015 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

حماية الجهاز الهضمي مفتاح علاج السرطان

GMT 12:21 2020 الخميس ,06 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 10:05 2016 الأربعاء ,17 آب / أغسطس

مصرع شاب في حادث دراجة نارية في مدينة غزة

GMT 01:41 2020 الأربعاء ,08 تموز / يوليو

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك وانطلاقة مميزة

GMT 03:03 2016 الخميس ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الأطفال يطلعون على كيفية التعامل مع الثعابين السامة
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday