في أبعاد خطاب الرئيس السيسي
آخر تحديث GMT 13:02:09
 فلسطين اليوم -

في أبعاد خطاب الرئيس السيسي

 فلسطين اليوم -

في أبعاد خطاب الرئيس السيسي

طلال عوكل

بحجم الغضب العارم، الذي تولده مشاهد العنف الأسود والبشع التي تظهر على شاشات المحطات والقنوات التلفزيونية، وبحجم التطرف الشديد والمغالاة في تعامل بعض الجماعات الإسلامية السلفية تجاه الآخر، كل الآخر، وبحجم التشوه الذي ألحقته هذه الجماعات بالإسلام، بحجم ذلك وأكثر، كانت دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى ثورة في الإسلام.
الرئيس السيسي مؤمن بطبعه وطبيعته، وما ينقل من سيرته الذاتية، حول التزامه الديني العميق، هو ربما الذي جعل الرئيس السابق محمد مرسي يختاره لوزارة الدفاع، بعد أن أقصى الطنطاوي وعنان، ظناً منه أن الوزير الجديد، هو الأفضل من حيث قربه لجماعة الإخوان المسلمين، وأنه سيكون يد الجماعة في تغيير بنية المؤسسة العسكرية بما ينسجم وتطلعات الإخوان المسلمين.
الرئيس السيسي، كان هادئاً، متزناً، حين أطلق هذه الدعوة التي وإن بدا أن الكثيرين من السياسيين لم يتوقفوا عندها، إلاّ أن المؤسسة الدينية في مصر، لن تضعها في بئر خاربة كما يقال. كان هادئاً رغم أنه كان يعزي الشعب المصري بشهداء الجيش الذين تعرضوا لهجوم غادر مجرم، أودى بحياة أكثر من خمسة عشر جندياً وضابطاً وأكثر منهم جرحى. في مثل هذا المقام، تطغى على الكلمات مشاعر الحزن، وتستثير المأساة، عواطف المسؤول الذي يشعر بمعاناة شعبه، وتستفزه الجريمة، إلى أن يخرج عن المألوف، أو يكتفي بخطبة إنشائية خالية من المضامين السياسية والفكرية.
على غير ذلك كان الرئيس السيسي، فلقد أكد إيمانه بإسلامه، وإيمانه بشعبه، وبقدرته على إلحاق الهزيمة بكل من يتربص بمصر من الداخل كان أم من الخارج. السيسي لم يدع إلى ثورة على الدين، فما كان لمتدين حقيقي أن يفعل ذلك، ولكن اللافت للنظر أنه لم يدع للإصلاح الديني كما ينسب لمحمد عبده  والطهطاوي وقاسم أمين مطالع القرن الماضي، وإنما ذهب إلى ما هو أبعد، من ذلك نحو ثورة في الدين.
كلمات الرئيس المصري القليلة ولكن الممتلئة بالمضامين والمعاني والمكثفة في الرسائل التي تحملها، وأرادها أن تصل إلى كل أصقاع الدنيا، ستظل كلمات تخضع للتفسير والتحليل والتأويل إلى أن تتحول إلى عمل ممأسس، يتجاوز المؤسسة الدينية وهي الأزهر الشريف، ويتجاوز منتسبي وزارة الأوقاف، ودارسي العلوم الدينية بمختلف فروعها إلى القطاع الواسع من المثقفين والإعلاميين، وأهل الفكر. على الكل أن يخوض هذه المعركة التي تأخذ طابعاً تاريخياً، فيما يتصل بمآلات التحولات التي تشهدها المنطقة العربية، ولم يعد الكثيرون يصفونها بالربيع العربي بدون أن يشتقوا تعبيرات مكثفة تعبر عن واقع الحال.
ما ورد في خطاب الرئيس المصري، أمام ثلة من ضباط القوات المسلحة، يطرح عناوين لطبيعة التناقضات والصراعات التي تجتاح المنطقة العربية، وبضمنها مصر. ثمة بعدان لهذا الصراع: الأول، يتعلق بمخططات تديرها قوى أجنبية، وهي وإن لم يسمها الرئيس السيسي لأسباب دبلوماسية، الولايات المتحدة وإسرائيل بالدرجة الأولى.
الولايات المتحدة وإسرائيل لاعبان أو هما في الحقيقة لاعب واحد من العبث أن تجد مكاناً في الوطن العربي، لا تلعب فيه أصابعهما في بعض الأحيان بشكل سافر، وفي بعضها بشكل خفي، وعبر أدوات، ودمى في المنطقة والجوار القريب، تعتقد أن لها مصالح في تفتيت الوحدات الجيوسياسية العربية الكبيرة، ولكنها ستكتشف أنها تخدع نفسها وشعوبها، لأن الولايات المتحدة لا تعرف منطق الشراكة حتى مع حلفائها المخلصين سوى إسرائيل.
الدور الأميركي واضح وسافر في ليبيا، وفي العراق وفي سورية، وقبل ذلك في السودان، وهو دور يتضح أكثر فأكثر تجاه اليمن، والبحرين ومصر والحبل على الجرّار.
المخطط الأميركي لا يستثني دولة كبيرة من الدول العربية، فهو بدأ في العراق ثم السودان، فليبيا، فسورية، وما لم يتوقف بفعل مواجهة عربية قوية، فإنه سيزحف نحو ما تبقى من الدول العربية، السعودية، الجزائر، المغرب، وفي مقدمة هؤلاء مصر التي تتعرض لمخطط يستهدف الدولة العميقة، ويستهدف الوحدة الجغرافية، وهو ليس محصوراً بسيناء التي أرادتها اتفاقية كامب ديفيد مفتوحة لاستيعاب التفجيرات السكانية، أو على الأقل لاستيعاب الأهداف الوطنية الفلسطينية وبضمنها الدولة، واللاجئون.
المخطط يستهدف كل مصر من صعيدها إلى دلتاها، ومن صحرائها في الشرق إلى صحرائها في الغرب على الحدود مع ليبيا، ولذلك فإن العنف الأسود ينتشر في كل مكان لزعزعة أركان الدولة المصرية.
أما الاتجاه أو المستوى الثاني للصراع في المنطقة، فهو لم يعد بين محكومين يتطلعون إلى التغيير والحرية، وحكام متأبدين على الحكم، فهذا ليس سوى مظهر مهم من مظاهر الصراع، بين مشروعين يتصارعان على مستقبل المنطقة، المشروع الإسلامي، بغض النظر عن مسمياته، وتنوع واختلاف الجماعات التي تحمله وبين التيارات الوطنية الليبرالية والعلمانية. المسافة ليست طويلة بين من يعتبرون أنفسهم أصحاب الفكر الإسلامي المعتدل، وبين من يصفون أنفسهم بالمتشددين من نوع «داعش»، و»القاعدة»، و»جبهة النصرة»، و»بيت المقدس»، والقائمة تحمل المزيد من الأسماء. فيما يتخذ هذا البعد الصراعي، طابعاً براغماتياً في البحث عن التحالفات، وعناصر القوة، يتولد وهم لدى الكثيرين من أن التحالف والتعاون والتقرب إلى الولايات المتحدة، وأحياناً إسرائيل، يشكل عامل قوة لهم. على هؤلاء أن يدركوا بأن أصحاب المخطط التقسيمي التفتيتي للمنطقة، هم أصل ومنبع الحملة العالمية الضارية على الإسلام والمسلمين، وانهم يمدون الأطراف بكل أسباب الصراع وأدواته بهدف تهشيم الجميع، حتى لا تقوم لأي منهم قائمة.
قد لا يبدو بأن مسألة تحقيق اصطفافات وتحالفات واضحة بين التيارين المتصارعين، وذلك بسبب كثرة اللاعبين، وتنوع أهدافهم وأساليبهم، ولكن خوض هذا الصراع على مستقبل المنطقة، أمر يستدعي الكثير من العمل، والكثير من التنازلات، والكثير من الصبر والمثابرة، فالحرية وصناعة التاريخ، لا يمكن أن تتحققا بدون أثمان باهظة.
من وجهة نظر موضوعية، تأخذ بعين الاعتبار التجارب الإنسانية التاريخية وطبيعة المكوّنات الثقافية والاجتماعية للمنطقة، فإن من الخطأ دفع الدين والسياسة في جهتين متقابلتين ومتصارعتين، وليس بالطبع الفصل بينهما عنوة، لكن الدين فسد وأفسد السياسة إن هو اقتحم مربعها، وفسدت السياسة، وأفسدت الدين إن هي اقتحمت مربعه، ولذلك لا بد من الفصل المفهوم للدين عن السياسة، لأن الدين ينظم العلاقة بين العبد وخالقه بينما السياسة تنظم العلاقة بين الإنسان والآخر.
وحتى لا تبدو المسألة صراعاً بين لونين، فإن الإسلام المعتدل ينبغي، بل أن له مصلحة دفاعاً عن الإسلام، ينبغي أن يكون في الخندق الأول، في مواجهة التطرف والمغالاة، وشطط الاجتهاد، الذي يسيء للإسلام الحقيقي والمسلمين الحقيقيين. المنطقة تمر في زمن الاستحقاقات التاريخية الكبرى، دفاعاً عن هُويّتها، وكياناتها، ودفاعاً عن معتقداتها، وموروثاتها الإنسانية، ودفاعاً عن حقها في اختيار مستقبلها، ولذلك من غير المقبول أن يتخلف أحد ممن يعتزّون بانتمائهم وهُويّتهم، عن المشاركة فيها بقدر ما يملك وما يستطيع.
 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في أبعاد خطاب الرئيس السيسي في أبعاد خطاب الرئيس السيسي



GMT 13:02 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ملاحظات أولية لمواطن بسيط

GMT 12:58 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه الجديد للأزمة الأميركية

GMT 12:53 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أسرانا المنسيين

GMT 12:49 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

سيد بايدن: فكّر بغيرك

GMT 12:44 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ثمّة متسعٌ للمزيد

GMT 08:01 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حذارِ من الحرب الأهليّة في فرنسا

GMT 14:10 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 13:52 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الثلاثاء الكبير: إسرائيل بانتظار بايدن!

تألقت بفستان من دون أكمام تميّز بقصته الضيقة من الأعلى

أحدث إطلالات الملكة ليتيزيا الساحرة باللون "الليلكي" تعرفي عليها

مدريد ـ فلسطين اليوم
إطلالات الملكة ليتيزيا راقية وأنيقة بشكل دائم، وأحدث إطلالات الملكة ليتيزيا لم تكن مختلفة حتى ولو جاءت مكررة لكنها إختيار خالد ومميّز، وزين طقم من مجموعة دار كارولينا هيريرا Carolina Herrera لخريف وشتاء 2016 أحدث  إطلالات الملكة ليتيزيا فبدت مثالاً للأناقة والرقيّ خلال مشاركتها في حفل توزيع جوائز the Jaume I 2020 awards، في مدينة لونجا دي لوس ميركاديريس، واعتمدت الملكة ليتيزيا تسريحة الشعر المنسدل ومكياج ناعم. وتألقت الملكة ليتيزيا بفستان باللون الليلكي من دون أكمام تميّز بقصته الضيقة من الأعلى أما التنورة فجاءت واسعة ووصلت إلى حدود الركبة، وزيّن الخصر حزام من القماش نفسه معقود بأناقة حول خصرها. وأكملت الإطلالة بمعطف واسع أنيق متناسق مع الفستان.   وما زاد أناقة احدث اطلالات الملكة ليتيزيا هو بطانة الفستان والمعطف التي أتت بدرجة لون أد...المزيد

GMT 07:55 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

عارضة مصرية تثير الجدل بـ"أهرامات سقارة" ووزارة الآثار ترد
 فلسطين اليوم - عارضة مصرية تثير الجدل بـ"أهرامات سقارة" ووزارة الآثار ترد

GMT 08:42 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تعرّف على أفضل النشاطات السياحية ليلًا في دبي شتاء 2020
 فلسطين اليوم - تعرّف على أفضل النشاطات السياحية ليلًا في دبي شتاء 2020

GMT 07:48 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

3 أفكار تبعد الرتابة والملل عن "ديكورات" منزلك
 فلسطين اليوم - 3 أفكار تبعد الرتابة والملل عن "ديكورات" منزلك

GMT 08:36 2020 الخميس ,03 كانون الأول / ديسمبر

محاكمة مذيع صيني شهير لاتهامه بالتحرش في قضية "تاريخية"
 فلسطين اليوم - محاكمة مذيع صيني شهير لاتهامه بالتحرش في قضية "تاريخية"

GMT 07:49 2014 الأحد ,26 تشرين الأول / أكتوبر

اعدام شابة ايرانية شنقًا يثير ادانات دولية

GMT 03:02 2015 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

قرد "البابون" في ديفون ينظف أسنانه بخيوط المكنسة

GMT 20:32 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 02:24 2015 الثلاثاء ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

بيت من صخور "الغرانيت" دون كهرباء وجهة سياحية للبرتغال

GMT 13:10 2017 الأربعاء ,22 آذار/ مارس

ممارسة الجنس تكفي لتنشيط جميع عضلات الجسم

GMT 01:50 2014 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

مشكلة بروز الأسنان وإعوجاجها هو نتاج وراثي

GMT 03:51 2017 الأربعاء ,10 أيار / مايو

إطلاق السيارة الجديدة "جاكورا XF" بمواصفات أفضل

GMT 13:52 2019 السبت ,21 أيلول / سبتمبر

فيات تكشف النقاب عن سيارتها الجديدة Abarth 595 Pista
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday