انقسام الانقسام
آخر تحديث GMT 13:08:25
 فلسطين اليوم -

انقسام الانقسام

 فلسطين اليوم -

انقسام الانقسام

د. عاطف ابو سيف

دخلت المصالحة في غيبوبة جديدة أو نوبة جديدة من نوبات موتها السريري. وهي عموماً لم تفق يوماً من الموت لكن صعقات كهربائية حادة كانت تنجح بين فترة وأخرى في نفض الجسد ودفعه للحركة المفاجأة. منذ اليوم الأول لتشكيل حكومة الوفاق بدا واضحاً أنها حكومة اللااتفاق، وانها حكومة لن تُمكن في الأرض خاصة في غزة، وانها حكومة فوق وطنية بمعنى لا علاقة لها بحقيقة المصالحة الوطنية. هذه المرة حدث كل شيء أيضاً فجأة. مثلما حدثت المصالحة في غزة فجأة انهارت في غزة فجأة. كأنها لم تكن مؤسسة على قواعد سليمة. وهي فعلاً لم تكن مؤسسة على قواعد سليمة، بل إنها بنيت على أعمدة من ورق هش، وهي مثل قصور الرمل تتهدم امام ضربات الريح. هذا ما حدث. فجأة انهار كل شيء. هذه المرة لا توجد عودة للانقسام بل ثمة تقسيم للانقسام. فحماس تقوم بدفع رواتب موظفي حكومتها الذين صاروا نظرياً جزءاً من موظفي الحكومة حتى يتم النظر في توصيات اللجنة الإدارية. وبات واضحاً ان ثمة تعزيزاً لحالة الانقسام داخل الوعي الحزبي والمؤسساتي. واستكمالاً فإن الحكومة لا علاقة لها بغزة لا من جهة الأمن ولا من جهة الجباية ولا من جهة الولاية على الموظفين المدنيين والعسكريين، وهي في الوقت ذاته تظل الحكومة الفلسطينية الشرعية. حالة التشظي الذي أفرزته مرحلة ما بعد الانقسام أكثر انقساماً من الانقسام ذاته.
يبدو ان حكومة الوفاق الوطني هي آخر طلقات مسدس الوحدة الوطنية، ولم يعد في جعبة المتحاورين المزيد من رصاصات الإنقاذ ولا الأفكار لإغاثة الجسد الذي دخل الغيبوبة منذ تموز العام 2007. حتى أن الأفكار المطروحة لاستعادة بريق الحوارات والابتسامات امام الكاميرات لم تعد تجذب أحداً. وكأن الجميع في انتظار المعجزة ان تحدث. مثل أن يتدخل طرف خارجي وتحديداً من جهة مصر او تركيا او ربما الجامعة العربية. لكن يبدو ان «غودو» هذه المرة لن يأتي حقاً، ولن يكون السادة المشاهدون بحاجة للطفل الصغير يأتي في نهاية العرض ليذكرهم بأن «غودو» لن يأتي اليوم، لأن كل شيء يقول إنه لن يأتي، وإن المنقذ إن لم يكن تعبيراً عن القناعة الذاتية بوجوب طي هذه الصفحة السوداء للأبد فلن يكون من الخارج.
ثمة شيء مؤلم في العنصر الخارجي دوماً، حتى لو كان هذا العنصر إيجابياً. فهو في نهاية المطاف خارجي وللخارج حدوده كما له اشتراطاته. وفي جوهر النقاش حول الشعار المقدس حول القرار الوطني المستقل تكمن حكمة التخلص من تبعة الخارج دون إفقاد القضية بعدها القومي والإنساني. لكن في حالة الانقسام فإن ثمة وطأة شديدة لوقع الخارج على مجريات المصالحة الميتة، التي يمكن أن يقال إنها حدثت عبر الكثير من التأثيرات الخارجية، والتي لا يمكن ان تزول أيضاً بقرارات خارجية، بل برغبة جامحة بالتخلص من ثقل العوامل الخارجية. وعليه فإن العودة بالانقسام إلى الجذور الداخلية وحده يمكن ان يقتلع ويجتث هذه الجذور. وبالقدر ذاته فإن انتظار الحلول الخارجية والتعويل على البعد الخارجي للمصالحة يبدو تعميقاً لأزمة المصالحة. هذا لا يعفي من التأكيد على أهمية بعض الدول الشقيقة في رعاية المصالحة. لكن هذه الدول لا يوجد بيدها الحل السحري لأزمات الانقسام، بل إن هذا الحل موجود في جوهر الآية الكريمة «إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم».
لم يكن الانقسام ملائماً ولا ضرورة، لكنه لا يبدو مسيئاً أكثر من أي وقت مضى لا سيما مع دخول حالة الاشتباك السياسي والقانوني مع الاحتلال مرحلة متقدمة. فتوقيع السلطة على ميثاق روما وبحث محكمة الجنايات عن تحريك دعوى قضائية ضد إسرائيل والحرب العنيفة التي تشنها إسرائيل على المحكمة الدولية، كل ذلك يقتضي اعادة التفكير في مآلات الانقسام وما يمكن ان يجلبه من مآسٍ وانكسارات أكبر. كان يمكن لقضية المحكمة الدولية أن تفتح الباب واسعاً امام توسيع الصدر ونحو إزالة ما علق بجسد الوحدة الوطنية من أورام وكدمات، خاصة أن آمالاً كثيرة عقدت على توقيع اتفاق المصالحة، وهي آمال لم تكن في محلها كما اعتقدنا من وقتها. لكن، أياً كانت الحال، فإن الأبواب التي كان يمكن فتحها بدت كثيرة ومتعددة وسهلة. 
والانضمام إلى ميثاق روما، بالقدر الذي يفتح آفاقاً جديدة من الاشتباك والصراع مع إسرائيل وبالتالي يوفر فرصاً اكثر، فهو يشكل تحدياً كبيراً إذا لم يتم استثماره بشكل صحيح. فمن جهة فإن وحدة حال الموقف الفلسطيني وتنسيق الجهود وتكاملها لا يبدو شرطاً فقط بل إنه أساس لا يستقيم تحقيق الأهداف الفلسطينية من وراء التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية بدونه. يبدو هذا الحديث مهماً لأننا مدمنون في تحويل كل شيء إلى مادة من مقررات الانقسام المقدسة التي نعشقها ونسعى دائماً إلى توسيعها. كما يبدو مهماً لأن افتراق الجهود ليس مضيعة للجهود ذاتها بل هو إضعاف للمواقف الفلسطينية وبالتالي، ربما، تحويلها إلى طاقات سلبية. 
لا يبدو توقيت تصعيد الخلاف الداخلي مناسباً في ظل المعركة الجديدة التي فتحتها القيادة الفلسطينية في المحافل القضائية الدولية لمواجهة جرائم إسرائيل. وعلى خلاف لحظات سابقة فإن مستوى الإنذار بات عالياً فيما يخص مستوى التوافق الداخلي.
أظن أن الطرفين بحاجة لجولة معمقة من الحوار الوطني الصريح والمفصّل الذي يشمل كل شيء والذي لا يكون مقصوراً على نخبة من ممثلي التنظيمين وخبراء التفاوض فيهما، بل يكون كل فريق مكوناً من طواقم كبيرة ومتنوعة تناقش كل شيء. كانت ثمة محاولة قبل ذلك لمثل هذا الحوار، سبحان الله انتهت بالنجاح على ذمة المتحاورين بعد ساعات من الحوار. نحن لسنا بحاجة لساعات نخرج بعدها ونبتسم. نريد حواراً في الغرف المغلقة بعيداً عن ابتسامات الكاميرات وربما يتم بثه على الهواء مباشرة لأيام حتى يتم حل كل القضايا العالقة. فقط عبر مثل هذا الحوار يمكن إنجاز اتفاق لا ابتسامات. 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

انقسام الانقسام انقسام الانقسام



GMT 13:02 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ملاحظات أولية لمواطن بسيط

GMT 12:58 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه الجديد للأزمة الأميركية

GMT 12:53 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أسرانا المنسيين

GMT 12:49 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

سيد بايدن: فكّر بغيرك

GMT 12:44 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ثمّة متسعٌ للمزيد

GMT 08:01 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حذارِ من الحرب الأهليّة في فرنسا

GMT 14:10 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 13:52 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الثلاثاء الكبير: إسرائيل بانتظار بايدن!

أعادتنا هذه الموضة إلى عالم الأربعينات والخمسينات

تعرفي على إطلالات النجمات العالميات بأسلوب "الريترو"

القاهرة ـ فلسطين اليوم
تنوّع النجمات في إطلالاتهن على السجادة الحمراء، فمنهن من يقررن اعتماد طابعًا معينًا ومنهن من يفضلن البساطة، إلا أننا لاحظنا أن عددًا من النجمات العالمية فضلن هذه الفترة اعتماد موضة الريترو المستوحاة من الحقبات القديمة بحيث اخترن فساتين ذات قصات قديمة وقرروا اعادتها الى الواجهة. لذا تعرفي الى أبرز من اعتمدها، وكيف يمكن أن تنسقيها بأسلوبك الخاص. فساتين بطابع الريترو لا يمكن أن تغيب التصاميم القديمة عن ساحة الموضة فهي تعتبر هوية الموضة الحالية وارثها الثمين. من هنا قررت النجمات أن يعدن هذه الموضة الى الساحة الجمالية والخاصة بعالم الموضة تحديداً، فرأينا فساتين بقصات متنوعة مستوحاة من الحقبات الماضية. عودة الى أربعينات وخمسينات القرن الماضي لا تُشكّل العودة في الصيحات ‘لى سنوات قليلة مضت، بل على العكس أعادتنا هذه الموضة ...المزيد

GMT 07:55 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

عارضة مصرية تثير الجدل بـ"أهرامات سقارة" ووزارة الآثار ترد
 فلسطين اليوم - عارضة مصرية تثير الجدل بـ"أهرامات سقارة" ووزارة الآثار ترد

GMT 08:42 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تعرّف على أفضل النشاطات السياحية ليلًا في دبي شتاء 2020
 فلسطين اليوم - تعرّف على أفضل النشاطات السياحية ليلًا في دبي شتاء 2020

GMT 07:48 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

3 أفكار تبعد الرتابة والملل عن "ديكورات" منزلك
 فلسطين اليوم - 3 أفكار تبعد الرتابة والملل عن "ديكورات" منزلك

GMT 11:41 2020 الخميس ,06 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدّاً وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 12:28 2020 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

الاحتلال يبعد مقدسيا عن المسجد الأقصى لخمس شهور

GMT 21:53 2015 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

البشرة السمراء تحتاج لألوان شعر تبرز جمالها

GMT 01:43 2017 الأحد ,29 كانون الثاني / يناير

أفراح العرس في السودان لها طقوس ومورثات مختلفة

GMT 06:18 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 04:54 2019 الثلاثاء ,11 حزيران / يونيو

صور نادرة تُظهر حَمْل النجمة مارلين مونرو عام 1960

GMT 16:15 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

افضل عطور "جيفنشي" للتمتع بسحر وجاذبية في امسياتك الراقية

GMT 18:27 2015 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

فوائد الكركم لعلاج القولون
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday