ذكرى الانتفاضة السابعة والعشرين
آخر تحديث GMT 22:32:41
 فلسطين اليوم -

ذكرى الانتفاضة السابعة والعشرين

 فلسطين اليوم -

ذكرى الانتفاضة السابعة والعشرين

د. عاطف ابو سيف

كان ذلك شهر كانون الأول من العام 1987، وكانت البداية عفوية، لكنها كانت العفوية النابعة من جمرة النار. كان كل شيء فيها عفوياً، وكان بقوة لم تنته، ولأن احداً لم يكن يتوقع الانفجار، فإن لهيبه امتد مثل النار في الهشيم حاصداً كل سنوات المعاناة والقهر، رافعاً في بريقه صورة الفدائي الذي لا يقهر، وماضياً بعزم الريح على تفجير العاصفة. كان ذلك الصباح المشبع برائحة المطر وثقل الغيوم العابرة، الممزوج بعرق الفتية اللاهثين وراء لحظتهم، وشحبار النيران المشتعلة من اطر السيارات المحترقة، والمتاريس التي تعترض امتداد الطرقات، والمقاليع التي تطير في حضن الهواء تبحث عن اندفاعة الحجر، الذي على مرماه كان يرقد الحلم ينتظر ان ينقض على الواقع. كان هذا صباح التاسع مع كانون الاول من العام 1987 حيث بدأت الانتفاضة الأولى. 
اتذكر ذلك اليوم جيداً. كان استاذ التاريخ بالكاد يبدأ درسه الذي كان يصر أن يحوله من التاريخ الفرعوني إلى التاريخ الكنعاني. كانت توجهاته قومية عروبية، وسنكتشف بعد ذلك أنه سيكون احد قادة القيادة الموحدة للانتفاضة، حيث سنفتقده وهو يقبع في السجن. خرجنا كاندفاع النهر في جرف الأرض نحو مركز جيش الاحتلال وسط مخيم جباليا حيث كانت شرارة الانتفاضة الأولى. قبلها بليلة وعند دفن العمال الذين دهسهم تركتور إسرائيلي قد تحولت إلى مواجهات مع الجيش، كانت تنذر بأن الفتيل يقترب من الاشتعال. في الصباح استيقظ المخيم كانه يكمل مشوراً بدأه في حلم ثائر جميل. هب الجميع نحو مركز الجيش لتولد من رحم تلك العفوية واحدة من اهم اللحظات في تاريخ الشعب الفلسطيني، اللحظة التي وفي حالات نادرة في التاريخ المعاصر نجح فيها العرب في إدخال كلمة ومفردة إلى قاموس السياسة الدولية. إنها كلمة انتفاضة، التي صارت رديفاً للثورة ولكنها الثورة الشعبية القائمة على هبة المواطنين في وجه الطغاة أي كانا لونهم وشكلهم وطبيعتهم، سواء طغاة الاحتلال وقطعانه أو الطغاة الذين يسلبون إرادة الشعوب، فالاحتلال واحد مهما تعددت اوجهه. 
هكذا نجحت تلك الانتفاضة في أن تكون أنموذجاً يدّرس حين يتعلق الامر بثورات الشعوب وهبتهم في وجه من يصادر إرادتهم. كان ذلك الصباح من كانون الاول مختلفاً بشكل كبير، وكان يحمل في طياته ملامح تغير كبير ستهب رياحه على المنطقة بل على الإقليم والعالم، عما قليل حين سيسقط جدار برلين وتنهار الكتلة الاشتراكية، وبعدها بقليل سيغزو العراق الكويت ويدق المسمار في آخر مضامين التضامن العربي حين تتقاتل الجيوش العربية في تحالفات تقودها الولايات المتحدة وتُقصف بغداد من قواعد في الخليج العربي. في ذروة هذه الهزائم والتراجعات والتبدلات في خريطة الكون، كان ثمة خارطة إرادة جديدة تصر أن ترى النور، إنها الإرادة التي حملها أطفال الحجارة في الأزقة والطرقات والوديان والجبال، وهم يرددون عبارات الحرية. إنها ذات الروح التي ستندلع في العواصم العربية بعد اكثر من عقدين من الزمن حين تخرج الشعوب العربية على الطغاة في انتفاضات مماثلة - لنضع جانباً تقييمنا للربيع العربي ومآلاته - فالقصد هو أن ثمة روح جديدة بثها الشعب الفلسطيني في روح الشعوب من طرقات براغ ووارسو إلى القاهرة وتونس. 
نتذكر الانتفاضة الآن فيما الحديث والنقاش يدور حول احتمالات انتفاضة ثالثة وربما رابعة وخامسة. وهو حديث يأخذ شرعيته من قلب النقاش حو حالة الجمود والركود التي تصيب الحالة الوطنية الراهنة. إنه نقاش يبحث عن مخرج من المأزق، ويحاول إيجاد تصورات. لنتذكر أن تلك اللحظة الجميلة من شهر كانون الاول من العام 1987 كان أجمل ما فيها عفويتها وتعبيرها عن غير المعبر عنه، ولم تكن نتاج نقاش وجدل فكري وتنظير حزبي ولا تبادل معرفي. كانت لحظة خالصة لذاتها، لذا نجحت في ان تكون اللحظة الذروة.
نعم إنها لحظة الذروة في ثورة فلسطينية مستمرة منذ خرج سكان مدينة يافا ومدينة القدس في هبة العام 1922 احتجاجاً على وصول مجموعات المستوطنين \ لنهب الأرض ومن ثم استمرت بقوة وزخم في ثورة العام 1929 وبعد ذلك في الإضراب الشهير العام 1936 والمقاومة الفلسطينية الباسلة وإن خذلتها الجيوش العربية للمشروع الاحلالي الصهيوني في فلسطين. بعد ذلك الاعمال الفدائية الشجاعة للكتيبة 155 وقوات التحرير الشعبية والتي تتوجت بقوة انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة. ما اقترحه في هذا السياق بان لحظة اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في 1987 كانت تتويجاً لفكرة المد الجماهيري للثورة وكانت تعبيراً آخر عن تجلياتها وزخمها الشعبي الكبيريين. ولم تكن براءة اختراع صدفوي. من هنا فإن السؤال حول مستقبل اي انتفاضة جديدة لابد أن يؤخذ في سياق الحديث عن ذلك النهر العظيم من الانتفاضة الفلسطينية الكبري التي شارفت على المائة عام والتي تجلي فهيا نضال الشعب الفلسطيني وكفاحه وجهاده في سبيل أرضه. أنها كبرى انتفاضات التاريخ حيث يحمل شعب شعلة اللهب لقرابة قرن من الزمن بلا ككل ولا ملل من أجل ان يعاد الاعتبار لكلمة حرية ولمفهوم التحرر.
يبدو هذا النقاش مهماً سيما أنه يأتي ليفكك مقولات أعمق يتضمنها الحديث عن انتفاضات مستقبلية. فهو من جهة يطرح مثلاً أن الانتفاضة الاولى والثانية انتهيتا، وانا لا اعرف أحداً يملك الحق في صناعة تواريخ النهايات، إذا كانت البدايات ذاتها عفوية. إن الأصح ان ثمة انتفاضة مستمرة كان ذروتها الشعبية في كانون الاول من العام 1987 واستمرت بأشكال مختلفة ولم تتوقف يوماً. إذا السؤال هو حول طبيعة الاشتباك القادم مع الاحتلال، لن الانتفاضة ليست إلا حالة اشتباك مع الاحتلال يجب أن نحرص ألا تتوقف ويجب البحث عن أشكال جديدة تتوائم مع كل مرحلة دون ان تنتقص من قوة الاعتماد على الجماهير في توجيه دفة الانتفاضة. إن تعلم دروس الانتفاضة التي تمر ذكراها السابعة والعشرين هذه الايام ربما سيمدنا بقوة أعمق للقبض على زمام المبادرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ذكرى الانتفاضة السابعة والعشرين ذكرى الانتفاضة السابعة والعشرين



GMT 13:02 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ملاحظات أولية لمواطن بسيط

GMT 12:58 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه الجديد للأزمة الأميركية

GMT 12:53 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أسرانا المنسيين

GMT 12:49 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

سيد بايدن: فكّر بغيرك

GMT 12:44 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ثمّة متسعٌ للمزيد

GMT 08:01 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حذارِ من الحرب الأهليّة في فرنسا

GMT 14:10 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 13:52 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الثلاثاء الكبير: إسرائيل بانتظار بايدن!

أبرزها ذلك الفستان الأزرق الذي تألقت به كيت ميدلتون من "زارا"

10 إطلالات لسيدات العائلات الملكية في متناول اليد تعرفي عليها

لندن ـ فلسطين اليوم
على الرغم أن خزانة ملابس سيدات العائلات الملكية تحتوي على فساتين باهظة الثمن، لكن هن أيضا يتألقن بأزياء بأسعار ذات ثمن قليل وفي متناول اليد، ويمكن لأي من السيدات الوصول لها بسهولة في العلامات التجارية المختلفة مثل زارا "Zara"، وجاب " Gap" وتوب شوب "Topshop" وغيرها المنتشرة في جميع أنحاء العالم، ونستعرض معًا في السطور التالية 10 إطلالات لسيدات العائلات الملكية تقل تكلفتها عن 100 دولار، لتبقى في متناول اليد. كيت ميدلتون في أول ظهور لكيت ميدلتون دوقة كامبريدج، في إجازة شهر العسل، طلت بفستان أزرق من زارا "Zara " بحوالي 90 دولار، وهو لم يبقى على الموقع الإلكتروني للعلامة التجارية كثيرا، إذ نفذ من الأسواق سريعا، وفي زيارة لدوقة كامبريدج، إلى نيوزيلندا ارتدت قميص كاروهات مريح من "Gap"، وهو عادة يباع بسعر 54.95 دولار، إلا أن ...المزيد

GMT 10:11 2020 الأربعاء ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

أبرز فساتين الزفاف المنفوشة لعروس 2021 تعرّفي عليها
 فلسطين اليوم - أبرز فساتين الزفاف المنفوشة لعروس 2021 تعرّفي عليها

GMT 09:01 2020 الأربعاء ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

أحدث وأرقى ألوان الديكورات لعام 2021 تعرّفي عليها
 فلسطين اليوم - أحدث وأرقى ألوان الديكورات لعام 2021 تعرّفي عليها

GMT 18:20 2015 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

فوائد الفجل لخفض نسبة السكر في الدم

GMT 21:02 2016 الجمعة ,03 حزيران / يونيو

الفراولة .. فاكهة جميلة تزيد من جمالك

GMT 01:37 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

الفنانة وفاء عامر تؤكّد نجاح مسلسل "الطوفان"

GMT 10:00 2015 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

شركة الغاز توصي بتوزيع 26 مليون ريال على مساهميها

GMT 00:29 2015 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مبروك يستأنف مشوار كمال الأجسام ويشارك في بطولة العالم

GMT 09:08 2019 الأحد ,27 كانون الثاني / يناير

إطلالات مخملية للمحجبات من وحي مدونة الموضة لينا أسعد

GMT 17:47 2018 الخميس ,16 آب / أغسطس

20 وصية للتقرب إلى الله يوم "عرفة"

GMT 10:13 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات رفوف للحائط لتزيين المطبخ و جعله أكثر إتساعا

GMT 04:59 2018 الأربعاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

"مرسيدس" الكلاسيكية W123"" أفخم السيارات

GMT 06:09 2018 الأحد ,14 كانون الثاني / يناير

راغب علامة يحتفل بعيد ميلاد إبنه لؤي في أجواء عائلية
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday