داعش وأزمة الدولة العربية
آخر تحديث GMT 12:24:54
 فلسطين اليوم -

"داعش" وأزمة الدولة العربية

 فلسطين اليوم -

داعش وأزمة الدولة العربية

د.عاطف أبو سيف

يثير خروج المجتمع الدولي لمحاربة تنظيم الدولة "داعش" سؤال الدولة الوطنية في الوطن العربي مرة أخرى، فحقيقة وجود "داعش" يعني انه لا يوجد دولة بالمعنى الحقيقي في العالم العربي، حيث إن الدولة العربية تعاني من تمزق وتفتت وسيطرة جزئية لمجموعات مسلحة مختلفة خصوصاً في العراق وسورية إلى جانب ما تعانيه دول المغرب العربي واليمن.
بالطبع "داعش" تسيء للعرب وللمسلمين أكثر من أي شيء آخر، ولو كانت هناك دولة عربية حقيقية تفهم مصالح العرب لما انتظرت عشر دول عربية حتى يعلن أوباما نيته تشكيل تحالف لضرب "داعش" حتى تنظم إليه، كان بإمكان هذه الدول العشر أن تأخذ زمام المبادرة، لكن حقيقة الأمر أنه لا توجد دولة حقيقية في العالم العربي قادرة على أن تمثل شعبها وتحمل همومه.
ليس للعرب أي وزن في المجتمع الدولي، ولو كان لهم ذرة من هذا الوزن لما وصلت حالتهم إلى هذا الحد الذي باتوا فيه مسرحاً تجري على أرضه التفاعلات دون ان يكون لهم أي تأثير في مخرجاتها.
فرغم ما تمتلكه الدول العربية من عوامل القوة سواء الناعمة منها او الخشنة إلا انهم لا يمثلون شيئاً في مجتمع القوة في العالم، فالدولة العربية بالكاد "تمون" على مواطنيها بل هي ليست صاحبة ولاية على نفسها إذ إن جل الدول العربية تعاني من تمزق وتفتت وجماعات إرهابية وانفصالية ومتمردة وأسماء كثيرة، النتيجة الحتمية لذلك أن الدولة ليست دولة بالمعنى الحديث.
صحيح أن الدولة المعاصرة بشكل عام تعاني من نقص في سيادتها حيث إن تكنولوجيا المعلومات وسهولة التواصل والاتصال وحركة رأس المال كلها قضمت من أسلاك السيادة الفعلية لا الافتراضية للدولة، لكن رغم ذلك فإن الدول الحقيقية تحافظ على قسط مهم وكبير من السيادة داخل أراضيها. وحين تصبح الدول تعاني من أزمة شرعية مع مواطنيها، كما هو الحال مع جل الدول العربية، وتصبح غير قادرة على التعامل مع مواطنيها الذين لا علاقة لهم بمؤسسة الحكم، فإنها تفقد الكثير من مقومات الدولة التي باتت تعتمد اكثر على "جودة" الحكم لا على حقيقة الحكم ذاته.
من هنا فإن المنطقة العربية لم تصل بعد إلى مستوى الدولة الوطنية الحقيقية، إذ يجوز القول إنها في مرحلة ما قبل التكوين الحقيقي للنظام السياسي المعاصر.
إن مفهوم "الجودة" بات أساساً في الحكم على الدولة وعلى تمثيليتها لمواطنيها ومقدرتها على الدفاع عن مصالحهم.
الدولة العربية لا تمثل مواطنيها إلا في حالات نادرة ولفترات غير طويلة، إذ إن جميع الانتخابات الديمقراطية المفترض أنها جرت في البلدان العربية قادت إلى حروب أهلية وتمزق وفرقة، بدلاً من أن تقود إلى وحدة واتحاد والتفاف المواطنين حول مؤسسات الدولة والدفاع عن شرعيتها المتجددة بفعل كل انتخابات.
ليس هذا فحسب بل إن المواطنين في حالات الفعل السياسي يجدون أنفسهم عرضة لتصرفات الدولة وبطشها وليسوا مشاركين حقيقيين في دينامية العمل السياسي، فالحقل السياسي مغلق أمامهم وهم لا يستطيعون اختراق الأسلاك الشائكة التي تقيمها الدولة حول قلاع الحكم ومؤسساته.
وعليه فالدولة وإن كانت تتحدث نفس اللغة بحروفها ومنطوقها فلغة التواصل والتفاهم مع المواطنين معدومة، الدولة غريبة عن مواطنيها الذين يشعرون أنها لا تنتمي إليهم ولا ينتمون إليها، ينعكس هذا في مدى تفاعلهم مع مؤسسات الدولة وتواصلهم معها، وهو تواصل محدود مقصور فقط على الواجبات وليس على الحقوق، التي هي أساس أي علاقة تعاقدية بين الفرد المواطن وبين مركبات الدولة بوصفها جهة واحدة موحدة.
وفي ظل غياب التعاقد أساساً، يصبح المواطن مجرد رقم آخر من تلك الأرقام الكبيرة التي توجد في سجلات الدولة الرسمية ولا يعدو طرفاً متعاقداً في الحكم، ولا يتدخل في تفاصيله.
شكل الربيع العربي فرصة نادرة من اجل إعادة تصويب العلاقة بين مجتمع المواطنين وبين الدولة حين خرج المواطنون يطالبون بدور تمثيلي لهم في صنع سياسات الدولة، ورغم الإخفافات التي صاحبت هذا الربيع إلا أنه كان مبشراً في أشهره الأولى حين نجح المحتجون في خلع رؤساء النظم التي كانت تحكمهم وفرضوا إجراءات ديمقراطية من نوع ما تعيد القرار في التمثيل للمحتجين بوصفهم المواطنين القادرين على القيام بالاختيار بشكل سليم.
وأنا كنت ممن قالوا إن الربيع العربي قد يشكل المرحلة الثانية من مراحل بناء الدولة الوطنية في المجتمع العربي حيث يقوم المواطنون باستعادة الدولة التي سلبت منهم بعد نشوئها إثر عمليات تفكك الاستعمار وهزيمته. لقد شهدت المرحلة الأولى في بناء الدولة الوطنية مرحلة استلاب للدولة من قبل نخبة اختلفت في أصولها ومرجعياتها وفهمها أيضاً لدور الدولة، فمنهم من كان تحرريا وطنيا ثوريا أغفل كل شيء في سبيل الالتزام بقضايا التحرر وبالتالي تحول تدريجياً الى نظام قمعي تسلطي يلغي قيم المواطنة، ومنهم من عمل ضمن مفهوم فئوي طائفي خالص تحت مظلة أيديولوجيا فضفاضة لا تحمل أي معنى له علاقة بحياة الناس، ومنهم من ظن نفسه المخلص المنقذ لمواطنيه من براثين الجهل والغيب دون أن يتمكن حقيقة من أن يرى هؤلاء المواطنين كمواطنين بل جماهير عريضة تنتظر الخلاص على يديه.
مع اندلاع التظاهرات في شوارع المدن العربية باستثناء "امبراطوريات النفط" التي تم قمع التظاهرات الوحيدة فيها في ساحة اللؤلؤة في البحرين، كان واضحاً ان أصحاب الوديعة (المواطنين) يريدون ان يستردوا وديعتهم (الدولة)، من هنا تم الاشتباك مع مؤسسات الدولة المسلوبة مثل أجهزة الأمن والشرطة.
النتيجة الآن بعد سنوات من حرق بوعزيزي نفسه هو أن الربيع العربي لم يكن ربيعاً، ولم يستطع المواطنون فيه أن يستعيدوا الدولة، إن مناقشة مآلات الربيع العربي وتجارب مثل تجربة مصر وتجربة تونس وتجربة العنف في سورية تكشف لنا كيف أن ما حدث كان مرحلة تفكك للدولة وليس بناء لها.
هذه المرة تتعمق الأزمة حين نكتشف عجز الدولة العربية عن صوغ مفهومها للخطر وللتهديد الخارجي ومقدرتها على الاستجابة لهذه الأخطار والتهديدات وحين تصبح دولة تابعة ليس فقط فيما يتعلق بالأزمة الإقليمية بل أيضاً فيما يتعلق بأمنها ومواطنيها، حيث تقوم دولة داخل الدولة وتتحرك جيوش العالم لقمع تلك الدولة وتكون الدولة العربية مجرد طرف في تحالف دولي أوسع. هل من دولة عربية؟!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

داعش وأزمة الدولة العربية داعش وأزمة الدولة العربية



GMT 19:49 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب يستغل منصبه

GMT 14:46 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب والتدخل الروسي وقضية أوكرانيا

GMT 14:48 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الإرهاب الاسرائيلي لا يتوقف وهل ينجح غانتز حيث فشل نتانياهو

GMT 07:47 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

في ذكرى رحيله .. ماذا أنتم فاعلون؟

GMT 07:43 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الانتخابات والفصائلية!

GMT 07:37 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

«الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون»

يأتي من القماش الحريري اللامع المُزود بالشراشيب أسفل الذيل

فستان تشارلز ثيرون استغرق 1200 ساعة تصميم في أفريقيا

واشنطن ـ رولا عيسى
دائمًا ما تبهرنا تشارلز ثيرون بأناقتها اللافتة وجمالها الأخاذ، وهي عارضة أزياء وممثلة أمريكية مولودة في جنوب أفريقيا، من أبٍ فرنسي وأم ألمانية، وهي بذلك تحمل خليطًا فريدًا من جنسيات مختلفة؛ ما جعلها تجول العالم بفنها المميز، وتنال جائزة الأوسكار كأفضل ممثلة، واشتهرت في أفلام عديدة مثل "Bombshell" و"ذا كولدست سيتي" وغيرهما من الأفلام المهمة. ورصدت مجلة "إنستايل" الأميركية، إطلالة ثيرون بفستان قصير أنيق باللون الأبيض ومرصع باللون الذهبي، الذي صمم أثناء استضافتها في مشروع جمع التبرعات لأفريقيا للتوعية الليلة الماضية. صمم الفستان من دار الأزياء الفرنسية "ديور"، واستغرق 1200 ساعة لتصميمه، وعكف على تصميمه شخصان من الدار الشهيرة، وبدت النجمة مذهلة متألقة على السجادة الحمراء، ويأتي تصميم الفستان من القماش الحرير...المزيد
 فلسطين اليوم - حيل عليك الإلمام بها عند شراء حقيبة "مايكل كورس" لتجنب التقليد

GMT 03:35 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

"طيران الإمارات" تجمع أكبر عدد من الجنسيات في "رحلة تاريخية"
 فلسطين اليوم - "طيران الإمارات" تجمع أكبر عدد من الجنسيات في "رحلة تاريخية"

GMT 03:48 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

حفتر يوجه رسالة للعاهل السعودي بعد العملية الجراحية الناجحة
 فلسطين اليوم - حفتر يوجه رسالة للعاهل السعودي بعد العملية الجراحية الناجحة

GMT 04:36 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

طرد مذيع بـ"راديو 710 كنيس" الأميركي بعد انتقاده ترامب
 فلسطين اليوم - طرد مذيع بـ"راديو 710 كنيس" الأميركي بعد انتقاده ترامب

GMT 10:26 2019 الخميس ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

8 شهداء من عائلة واحدة في دير البلح إثر القصف الإسرائيلي

GMT 02:07 2019 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

أبو ريدة ومحمد فضل يكرمان متطوعي بطولة الأمم الأفريقية

GMT 08:15 2016 الثلاثاء ,27 أيلول / سبتمبر

مي عصمت تعترف بحدوث طفرة في ديكور غرف نوم الأطفال

GMT 15:20 2019 الثلاثاء ,01 كانون الثاني / يناير

لمسات مثيرة لرقبة زوجك قبل العلاقة الحميمة

GMT 09:57 2019 الإثنين ,15 إبريل / نيسان

أهمية وضرورة الاغتسال بعد الجماع عند المرأة
 
palestinetoday

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday