الهولوكوست الأرمني اعتذار تركيا واجب
آخر تحديث GMT 14:16:32
 فلسطين اليوم -

الهولوكوست الأرمني: اعتذار تركيا واجب

 فلسطين اليوم -

الهولوكوست الأرمني اعتذار تركيا واجب

خالد الحروب

قرن كامل يمر هذا الشهر على وقوع مذابح الأرمن التي يُؤرخ لها بيوم 25 نيسان 1915. 
تستدعي هذه المناسبة تأملا مطولا في جوانب المأساة الأرمنية، وهو ما ستحاول هذه السطور وكاتبها القيام به في أربع وقفات في مقالات هذا الشهر (تغطي «اعتذار تركيا الواجب» و»مواقف العرب» و»أرمن العالم» و»أرمن القدس»). 
في ذلك العام وما سبقه من سنوات كانت الامبراطورية العثمانية تنهار بتسارع: داخليا وخارجيا. في الداخل كانت سياسات السلطان عبد الحميد الثاني الاستبدادية والانغلاقية والمديدة قد أدخلت الدولة مترامية الأطراف في طور التجمد والتكلس. 
كان بإمكان الامبراطورية الآيلة إلى الأفول تفادي طور التجمد أو على الاقل تخفيف وطأته وشدة الارتطام اللاحقة له عبر تبني اصلاحات دستور 1876 الذي اعده مدحت باشا، والتي كان من المفترض ان تقيد اليد المطلقة للسلاطين وتؤسس لحياة برلمانية. لكن السلطان عبد الحميد كان له رأي آخر! 
في الخارج، كان اعداء السلطنة، في الشرق روسيا القيصرية وفي الغرب دول اوروبا التي سيضمها لاحقا محور الحلفاء، يراقبون عن كثب تهالك الحصان العثماني وشيخوخته المُتعبة، منتظرين فرصة الانقضاض على اطرافه. 
على الحدود الشرقية تحديداً استعرت حروب ومعارك شنتها روسيا كي تستعيد اراضي كانت ترى أن الدولة العثمانية احتلتها منذ القرن السادس عشر، ومنها أرمينية المسيحية، ومع روسيا ثار الارمن مطالبين بالتحرر والاستقلال. 
كان ذلك في نفس الوقت والزمن الذي ثار فيه العرب في الحجاز وبلاد الشام على الدولة العثمانية مطالبين ايضا بالتحرر والاستقلال. الأرمن، وكالعرب تماماً، طالبوا بالانفصال عن امبراطورية لم يبق فيها عنصر قوة سوى سياسة التتريك القائمة على اقصاء كل ما هو غير تركي (سواء أكان مسلما أم غير مسلم)، توازيا مع اشتداد قوة حزب الاتحاد والترقي وتهميش «الباب العالي» تماماً.
في سعار المعارك الحدودية والاستقلالية (أو الانشقاقية من وجهة نظر سياسيي الاتحاد والترقي وبقايا سياسيي العثمانية) ثار الارمن على الحكم التركي الطويل لبلادهم واراضيهم، ومع ازدهار فكرة القومية في اوروبا تبلورت مطالبهم القومية بالتحرر والاستقلال، وتحالفوا مع روسيا. 
كان الرد العثماني التركي صارما وقاسيا ولا هوادة فيه، وقام على اعتبار الارمن، وهم نظرياً واسميا من رعايا الدولة العلية، خونة وعملاء للغازي الاجنبي، روسيا، وكان التعامل الوحيد المطروح مع «الخونة والعملاء» بحسب الاتراك هو القتل والإبادة، وهو ما شرع الحكم التركي في تطبيقه بشكل وحشي ومذهل. 
فعلى مدار سنة 1915 حيث بلغت مذابح وسياسات إبادة الأرمن ذروتها وما سبق وما تلا تلك السنة، تعرض الارمن لواحد من ابشع فصول التوحش والقتل البشري الجماعي في التاريخ. 
تقول الشواهد التاريخية المثبتة ان عشرات الالوف من المدنيين كانوا يُساقون من قراهم ومدنهم كالخراف ويقتلون أما ذبحا أو رميا بالرصاص. 
وكان عشرات الوف آخرون يجبرون على الهجرة الفورية تاركين وراءهم كل شيء، ويجبرون على التوجه الى الصحراء والاراضي المفتوحة التي لا تنتهي وليس لهم امل في الخروج منها احياء. المحظوظون منهم وهم قلة استطاعوا اختراق المساحات الهائلة والوصول الى شمال العراق او سورية وارتموا منهكين وجائعين بين ايدي العرب، سواء في البوادي او المدن. 
ومنهم من واصل رحلته جنوبا وغربا وصولا الى لبنان وفلسطين، وفي المدينة المقدسة احتضنوا الصليب برعاية مستضيفيهم المسلمين وكثير منهم اقتحم الحي الأرمني في قلب القدس القديمة وصار جزءاً منه.
طلعت باشا (١٨٧٤ - ١٩٢١) هو الاتحادي (والعثماني في آن معاً) الذي يُعتبر تاريخيا المهندس الأهم للإبادة الأرمنية. 
الباشا كان من قيادات حزب الاتحاد والترقي كما وصل إلى منصب الصدر العثماني الأعظم سنة ١٩١٧، وكان وزيرا للداخلية في سنة ١٩١٥ وما بعدها. 
ترك طلعت باشا تقارير مفصلة وموسعة تضمنت آليات تهجير وإبادة الارمن ليس فقط في منطقة الحدود الشرقية لتركيا، بل وفي كل ارجاء الدولة. 
كان الهدف هو إنهاء الوجود الارمني الجمعي وهو امر يتحقق بالإبادة الجسدية، او التهجير القسري، او الإدماج الفعلي والقسري في المجتمع التركي، او الحاق ابنائهم واطفالهم الى عائلات تركية او ملاجئ ايتام تشرف عليها الدولة. 
تشير تقارير طلعت باشا إلى انه تم التخلص من مليون الى مليون ونصف المليون ارمني عبر اتباع تلك السياسات خلال سنوات ١٩١٥ الى ١٩١٧. 
طلعت باشا، على ذلك، هو التجسيد الرمزي المُكثف لتلك اللحظة التاريخية الفارقة التي كانت تنهار فيها الامبراطورية العثمانية وعلى انقاضها تقوم تركيا الحديثة. 
واهمية تلك اللحظة بالنسبة للهولوكوست الارمني تأتي بسبب السجالات الحادة التي تدور حوله إن لجهة المسؤولية المباشرة عنه، وفي ما إن كان إقرار سياسات الإبادة يعود إلى الامبراطورية المنقضية ام الى تركيا المتشكلة. 
تركيا الحديثة والمتشكلة انكرت دوما حدوث الإبادة الارمنية ووقوعها نتيجة لسياسة تركية مرسومة سلفاً. 
ما يتبناه الموقف التركي الرسمي والى حد كبير الاكاديمي والاعلامي هو ان «مقتلة» الارمن كانت نتيجة غير مقصودة من نتائج الحرب العالمية الاولى، وتحديدا مع روسيا القيصرية في الشرق. 
بيد أن كل الادلة والشواهد من ذلك التاريخ وحتى الآن، او على الاقل في معظمها، اكدت وجود سياسة قصدية كانت تهدف الى القضاء على الارمن العثمانيين باعتبارهم «طابورا خامساً» داخل الامبراطورية. الموقف التركي التقليدي قام على التوتر من مراجعة الماضي والخشية من فتح ملف مرير قد يفتح ملفات لا حصر لها، اولها التعويض المادي الذي قد يلحق بأي اعتراف واعتذار سياسي ورسمي. 
لكن تركيا اليوم وصلت مرحلة النضج والثقة بالنفس ومستوى من المكانة السياسية تؤهلها لمواجهة اية حقب مظلمة من ماضيها، والإبادة الارمنية تأتي في مقدمتها. 
الاعتذار عن المذابح الارمنية هو استحقاق طال انتظاره من تركيا، ولا بد أن يأتي في يوم من الأيام مهما تأخر التوقيت، لذلك فإن الحكمة تقضي بأن يتم استثمار الذكرى المئوية لحدوث الهولوكوست الارمني وتقديم الاعتذار الرسمي التركي للارمن واحفادهم. 
لن يقلل ذلك من شأن تركيا بل سيعمق احترام الآخرين لها. الاعتذار يرقي مكانة المُعتذر ويؤشر على ثقته بنفسه، والإنكار يخفض مكانة المُنكر ويؤشر على اهتزاز ثقته بذاته ... وتوتره وهشاشته! 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهولوكوست الأرمني اعتذار تركيا واجب الهولوكوست الأرمني اعتذار تركيا واجب



GMT 13:02 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ملاحظات أولية لمواطن بسيط

GMT 12:58 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه الجديد للأزمة الأميركية

GMT 12:53 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أسرانا المنسيين

GMT 12:49 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

سيد بايدن: فكّر بغيرك

GMT 12:44 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ثمّة متسعٌ للمزيد

GMT 08:01 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حذارِ من الحرب الأهليّة في فرنسا

GMT 14:10 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 13:52 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الثلاثاء الكبير: إسرائيل بانتظار بايدن!

أعادتنا هذه الموضة إلى عالم الأربعينات والخمسينات

تعرفي على إطلالات النجمات العالميات بأسلوب "الريترو"

القاهرة ـ فلسطين اليوم
تنوّع النجمات في إطلالاتهن على السجادة الحمراء، فمنهن من يقررن اعتماد طابعًا معينًا ومنهن من يفضلن البساطة، إلا أننا لاحظنا أن عددًا من النجمات العالمية فضلن هذه الفترة اعتماد موضة الريترو المستوحاة من الحقبات القديمة بحيث اخترن فساتين ذات قصات قديمة وقرروا اعادتها الى الواجهة. لذا تعرفي الى أبرز من اعتمدها، وكيف يمكن أن تنسقيها بأسلوبك الخاص. فساتين بطابع الريترو لا يمكن أن تغيب التصاميم القديمة عن ساحة الموضة فهي تعتبر هوية الموضة الحالية وارثها الثمين. من هنا قررت النجمات أن يعدن هذه الموضة الى الساحة الجمالية والخاصة بعالم الموضة تحديداً، فرأينا فساتين بقصات متنوعة مستوحاة من الحقبات الماضية. عودة الى أربعينات وخمسينات القرن الماضي لا تُشكّل العودة في الصيحات ‘لى سنوات قليلة مضت، بل على العكس أعادتنا هذه الموضة ...المزيد

GMT 11:06 2020 الأحد ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

5 حيل لديكورات غرف نوم أكثر جمالًا تعرفي عليها
 فلسطين اليوم - 5 حيل لديكورات غرف نوم أكثر جمالًا تعرفي عليها

GMT 09:36 2015 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

زوجة حازم المصري تتهمه بالاعتداء عليها وتحرر محضرًا ضده

GMT 00:38 2017 الخميس ,12 تشرين الأول / أكتوبر

ليلى شندول ترد على أنباء خطوبتها لفنان عربي

GMT 03:03 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

فوائد الريحان

GMT 06:00 2018 الأربعاء ,02 أيار / مايو

أجمل أساور الذهب الأبيض لإطلالة ساحرة وأنيقة

GMT 12:38 2017 الإثنين ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

2470 طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الأثنين
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday