رسالة إلى حسن نصر الله
آخر تحديث GMT 13:47:37
 فلسطين اليوم -

رسالة إلى حسن نصر الله

 فلسطين اليوم -

رسالة إلى حسن نصر الله

د. خالد الحروب

أحد أهم الأسس القوية للدمار الفكري والسياسي والاجتماعي الذي تشهده بلداننا يكمن في انتشار عفن التطرف الطائفي وسعار التعصب الديني الذي يفتك بمجتمعاتنا، ويذريها في كل اتجاه.
سوف يكتب مؤرخو المستقبل عن هذه الحقبة السوداء أن الارتكاسة الحادة نحو التطرف الديني الذي يأخذ وجوها لا حصر لها هو المسؤول الأول عن الشلل الذي ضرب المجتمعات وقواها وطاقاتها. وأن بروز قيادات دينية تنافح عن ذلك التطرف وكل منها يريد أن يبني "الدولة الإسلامية" كما يراها، هو أيضا السبب في استدامة ذلك الشلل.
لقد تم اختطاف الدين وقيمه الإنسانوية التسامحية الأولية، وأُعيد تفسيره كي يخدم الفكر الطائفي، والمذهبي، وليتم حشره في أضيق نظرة ممكنة، عوض الإبقاء على اتساع أمديته الأصلية وتوسيعا زمانا ومكاناً.
لقد اختطف الدين وتم تحويله إلى أداة لخدمة السياسة والأهداف الآنية والمصلحية إن بيد الدول والحكومات أو بيد المنظمات والجماعات التي تتناسل بشكل مدهش.
ولن تتخلص المنطقة وبلداننا وشعوبنا ومجتمعاتنا من هذه الحقبة المظلمة ما لم تتم إعادة الدين إلى رحابه الروحية، وعدم خلطه بالسياسة، وكشف كل خاطفيه ومستخدميه.
حول هذه المعاني قرأت مؤخرا رسالة في غاية العمق والمرارة والتعبير الداخلي الدقيق عن الحالة المجتمعية التي تحولنا إليها بسبب تسييس الدين وتديين السياسة، وموجهة إلى حسن نصر الله الامين العام لحزب الله، ووجهها له الكاتب اللبناني رؤوف قبيسي.
الرسالة طويلة جداً وتستحق أن تُنشر كاملة في الإعلام العربي وأن تُقرأ في كل مكان وتعمم، ليس لأنها موجهة إلى نصر الله وحسب، بل ولأنها تفكك ادعاءات إسلاموية كثيرة حول الدولة الإسلامية (الطائفية) التي لا تعمل إلا على تفتيت النسيج الاجتماعي وتدمير البلدان.
استسمح الزملاء الكرام محرري هذه الصفحة لاقتباس بعض الفقرات المهمة من تلك الرسالة والتي لا تحتاج إلى تعليق أو أي إيضاح. يقول قبيسي:
"... أحسبكَ تعرف من اسمي أيها السيد، إنني أنتمي بالهوية المسجلة في الدوائر الحكومية اللبنانية، إلى الطائفة الشيعية في لبنان، ولا أحسب من عائلتي في لبنان من ينتمي إلى غير هذه الطائفة، لكن أحب أن أقول في مستهل خطابي هذا إليك إنني لست "شيعياً" ولن أكون، ولست متديناً ولن أكون، وأعتبر هذه "التصنيفات" تقليداً يفسد الوصية، كما جاء على لسان "المسيح" في الأناجيل، وخروجاً على الإيمان الإسلامي، الذي يعلو على ما هو "شيعي" و"سني"، لا نور لي هنا ولا هداية، إلا الآية الكريمة من سورة "آل عمران" التي تقول: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
لا أريد أن أفهم حبل "الله" هذا إلا الإيمان برسالة تحضّ على عدم التفرقة بين الناس، لأن الناس ساعة ينقسمون لا يعودون مؤمنين، بل يصيرون متدينين متعصبين، وتبدأ بينهم الحروب، وفي الحروب يوارى الإيمان التراب، وتنبت الغرائز. أما التقي المكرم عند "الله" هنا فقد يكون مسلماً، أو مسيحياً، وقد يكون يهودياً أو بوذياً، وقد يكون ملحداً أيضاً، وكلنا اختبرنا في حياتنا بشراً لا يصلّون ولا يصومون، ولا يدخلون المعابد لكنهم، أقرب إلى "الله" من بشر متدينين يحجّون ويصلّون ويصومون!
عندي أن من الخطأ أن يقول امرؤ عن نفسه إنه "شيعي"، أو "سنّي" وإنه على نهج هذا الإمام أو ذاك. هذه "التوجهات" قد تكون محمودة العواقب في بيوت وأندية مغلقة، بين متصوفين وطبقات من الناس مثقفة وقديرة وواعية، تدرك معاني الكلم، وتعرف الفرق بين التدين والإيمان، لكن ساعة تهبط هذه "التصنيفات" إلى الشوارع والأزقة والقرى والدساكر، وخصوصاً في بلادٍ، معدلات الجهل والأمية فيها عالية، تتحول إلى عصبية هوجاء تهدد نسيج المجتمع، عندها يبدأ "الشحن الطائفي"، تقوم به شياطين فاغرة أفواهها، ودول لا تسعى إلا إلى مصالحها الخاصة!
حين يقول المتديّن إنه "شيعي" أو "سني" فهذا يعني أنه بدأ يتعصب، وأن القرآن في نظره ليس كافياً للوصول إلى "الله"، في حين أن المؤمن يكفيه حبل خلاص واحد هو حبل "الله"، العروة الوثقى التي تجمع الناس، وأما الحبال الأخرى فليست إلا "تصنيفات" تفرّق ولا توحد، وتوجد فجوات بين الناس، وطريقاً أولها جحيم في الأرض، وآخرها جحيم في السماء!
* * *
أنت أكثر من يدري يا سيد حسن، أن ما تشهده بلادنا من فتن وحروب هو من فعل التدين، والعصبيات المذهبية التي لا علاقة لها بالإيمان. والقرآن يقول: "قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم".
أنت أكثر من يعرف يا سيد حسن، أن الخلافات بين "السنّة" و"الشيعة" بدأت تحرق أخضر الأرض ويابسها، وتؤدي إلى قتل الأبرياء وتشريدهم من قراهم وبيوتهم، وأخالك تضع اللوم على "خلايا نائمة" و"قوى من الخارج" تعبث بالأرض و"المقدسات".
هذا أمر لا أشك فيه، هو من السياسة التي لا أفهم منها شيئا، لكن ما أعرفه حق المعرفة، وأخالك تعرفه يا سيد حسن، ويعرفه القاصي والداني، وكل من نظر في كتبنا وتاريخنا، أنه لو لم تكن في ثقافتنا فجوات، لما تمكنت "قوى الشر" من التسلل إلى ديارنا والعبث بمصائرنا. هناك إذاً شيء فينا خطأ، موجود منذ القدم، ولا يزال. موجود من قبل أن تنشأ إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وقبل أن يسمع العرب بشيء اسمه الاستعمار!
نعم يا سيد حسن، هنا تكمن العلة وهنا يجب أن يبدأ الصراع أولاً، وليس على الحدود! أنت تعرف يا سيد حسن، أن مصدر هذه العلة ليس القرآن الذي هو، أو يجب أن يكون، منارة الإيمان الوحيدة، بل من السيرة التي دوِّنت بعد وفاة الرسول وكتبها مؤرخون مختلفو الأهواء والمذاهب، ولعبت فيها المصالح السياسية والدنيوية كل مذهب، لمصلحة هذا الخليفة أو ذاك، هذا الحاكم أو ذاك، ثم انقسم "المسلمون" شيعاً ومذاهب، قامت على أساسها دول كبيرة، منها عثمانية أخذت بالمذهب السنّي الحنفي، وأخرى فارسية أخذت بالمذهب الشيعي الجعفري، وذلك كله بتدابير سياسية مخالفة للقرآن وروح الإسلام.
... كل طائفة في لبنان لها "خصوصيتها" المميزة، العزيزة على كل فرد من أبناء هذه الطائفة أو تلك. لا بأس في هذا التعدد، الخطر يكمن ساعة تتحول هذه "الخصوصية" إلى سياسة وسلاح، وتكون فيها غلبة طائفة على أخرى، عندها تتحول إلى عصبية هدامة وتثير نعرات "خصوصيات" الآخرين وغرائز دهمائهم، وتدخل الوطن في خطر.
تظهر هذه الغلبة في خلط الدين بالسياسة، أو حين يكون نظام البلد طائفياً، كما الحال في لبنان. من هنا نفهم أن الدولة الطائفية دولة كافرة، غير إنسانية، عنصرية تصنّف مواطنيها على أسس دينية.
إذا سألتني يا سيد حسن عن" دولة الإيمان" المرتجاة، فسأقول لك إنها ليست "ولاية الفقيه" حتماً، وليست "دولة العراق والشام" حتماً، وليست "دولة القاعدة" ولا "دولة الإخوان المسلمين" حتماً، ولا إمارات "طالبان" و"جبهة النصرة"، وكانتونات العلويين والدروز والموارنة. هذه كلها لون واحد، عقل واحد ونهج واحد، "خصوصيات" أحادية، لا مكان فيها لروح آخر، وعقل آخر، وفكر آخر.
الدولة المدنية هي دولة الإيمان الوحيدة، وهذه وجدت في الغرب بعد صراع مر مزمن بين الغريزة والعقل، بين الجهل والعلم، وبين التدين والإيمان! إنها الدولة الوحيدة التي تحفظ حقوق الناس، ويتساوى فيها المواطنون أمام القانون، هي "دولة الله" الوحيدة على الأرض، وما عداها كفر وعنصرية وحروب.
ألم يقل الشيخ الإمام محمد عبده: "ذهبت إلى الغرب فرأيت إسلاماً ولم أر مسلمين، ثم عدت إلى بلاد المسلمين فرأيت مسلمين ولم أر إسلاماً"!؟
هذا الإسلام الذي وجده "رائد الإصلاح" في الغرب، لم يكن إلا في كنف الدولة المدنية. محمد عبده هو الذي قال: "الإسلام مجموعة من القواعد العامة يقتدي بها البشر في المجتمع والحكم، لكنه، أي الإسلام، لم يأت بقوانين تفصيلية، وعلى البشر أن يستعملوا عقولهم في وضع التفاصيل".
محمد عبده هذا هو الذي قال أيضاً إن الإسلام محجوب بالمسلمين، ونادى بتعليم المرأة، وقال إن العدل لها لا يمكن أن يتحقق في تعدد الزوجات، وعارض الحجاب والنقاب، وقال إن لا نص في الشرع يوجبهما، وإنهما "عادتان ناتجتان من الاختلاط بأمم أخرى".
محمد عبده هو الذي وقف ضد التكفيريين والمتزمتين، وقال قولته الشهيرة: "إنما هو دين أردت إصلاحه وأحاذر أن تقضي عليه العمائم"!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رسالة إلى حسن نصر الله رسالة إلى حسن نصر الله



GMT 13:02 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ملاحظات أولية لمواطن بسيط

GMT 12:58 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه الجديد للأزمة الأميركية

GMT 12:53 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أسرانا المنسيين

GMT 12:49 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

سيد بايدن: فكّر بغيرك

GMT 12:44 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ثمّة متسعٌ للمزيد

GMT 08:01 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حذارِ من الحرب الأهليّة في فرنسا

GMT 14:10 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 13:52 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الثلاثاء الكبير: إسرائيل بانتظار بايدن!

أبرزها ذلك الفستان الأزرق الذي تألقت به كيت ميدلتون من "زارا"

10 إطلالات لسيدات العائلات الملكية في متناول اليد تعرفي عليها

لندن ـ فلسطين اليوم
على الرغم أن خزانة ملابس سيدات العائلات الملكية تحتوي على فساتين باهظة الثمن، لكن هن أيضا يتألقن بأزياء بأسعار ذات ثمن قليل وفي متناول اليد، ويمكن لأي من السيدات الوصول لها بسهولة في العلامات التجارية المختلفة مثل زارا "Zara"، وجاب " Gap" وتوب شوب "Topshop" وغيرها المنتشرة في جميع أنحاء العالم، ونستعرض معًا في السطور التالية 10 إطلالات لسيدات العائلات الملكية تقل تكلفتها عن 100 دولار، لتبقى في متناول اليد. كيت ميدلتون في أول ظهور لكيت ميدلتون دوقة كامبريدج، في إجازة شهر العسل، طلت بفستان أزرق من زارا "Zara " بحوالي 90 دولار، وهو لم يبقى على الموقع الإلكتروني للعلامة التجارية كثيرا، إذ نفذ من الأسواق سريعا، وفي زيارة لدوقة كامبريدج، إلى نيوزيلندا ارتدت قميص كاروهات مريح من "Gap"، وهو عادة يباع بسعر 54.95 دولار، إلا أن ...المزيد
 فلسطين اليوم - طيران الإمارات يبدأ تسيير رحلات يومية إلى تل أبيب آذار المقبل

GMT 08:56 2019 السبت ,12 كانون الثاني / يناير

ولة داخل قصر نجم كُرة السلة الأميركي "شاكيل أونيل

GMT 13:38 2015 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

ضبط 16.5 كلغم من الحشيش المخصب في طولكرم

GMT 06:18 2017 الإثنين ,15 أيار / مايو

شواطئ منطقة تنس تجذب العديد من السياح كل عام

GMT 14:06 2019 الأربعاء ,11 أيلول / سبتمبر

صور لفات طرح للمناسبات السواريه من مدونات الموضة

GMT 07:55 2017 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

تزيين الأرضيات بـ"الموزاييك" خلال عام 2018 المقبل

GMT 06:26 2015 الجمعة ,06 شباط / فبراير

أفضل الأطعمة لزيادة حليب الأم المرضعة

GMT 14:13 2020 الخميس ,16 إبريل / نيسان

بريشة : علي خليل
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday