في تبلور الهُويّة الوطنية الفلسطينية
آخر تحديث GMT 09:50:13
 فلسطين اليوم -

في تبلور الهُويّة الوطنية الفلسطينية

 فلسطين اليوم -

في تبلور الهُويّة الوطنية الفلسطينية

خالد الحروب

خضعت تمظهرات الهُويّات الفلسطينيّة لتحوّلات عميقة وجذريّة في التاريخ المعاصر في سياق حقبة ما بعد الاستعمار الغربيّ للمنطقة، واستمرار السياق الاستعماريّ الصهيونيّ في فلسطين
في السياق الإقليميّ، تنافست هُويّات قوميّة وحديثة تحيط بفلسطين على استبدال وَ/أو إعادة إنتاج مزيج الهُويّات المتبقّية من الماضي البعيد والماضي القريب، نحو الهُويّات (وتفرّعات الهُويّات) الدينيّة والإسلاميّة والعروبيّة والقَبَليّة والإقليميّة. 
استنزفت النخب الحاكمة في الدول القوميّة الوليدة في الشرق الأوسط طاقاتها في سعيها لتأسيس (أو- بالأصحّ - تخليق) هُويّات وطنيّة متميّزة حول ما يُفترض أن تدور حولها "القوميات" الوليدة وَ"مواطَنتها". 
وبعد عقود على نشوء الدول الوطنية (القطرية) العربية لم تتم بعد تسويةُ التوتّرات بين المركّبات المختلفة (والمتضاربة أحيانًا) لهذه الهُويّة الموحّدة المنشودة، والتي تدور في المقام الأوّل حول صدارة مكوّناتها الدينيّة أو القوميّة.
بعض تلك التوترات يجد صداه في عمليّات تشكيل وإعادة تشكيل الهُويّة الفلسطينيّة. 
بدءًا من نهاية القرن التاسع عشر حتّى يومنا هذا، يمكن النظر إلى الجدال والتنافس والتصالح وَ/أو الصراع بين "القوميّ" وَ "الدينيّ" كمسار تكامليّ في عمليّة صياغة الهُويّة الفلسطينيّة، وكجزء من عمليّة تدوين تاريخ هذه الهُويّة.
على الرغم من ذلك، تبقى فكرتا "القوميّ" وَ "الدينيّ" عاجزتين عن توفير فهم شامل لنشوء وتشكيل الهُويّة الفلسطينيّة بالمنظور التاريخيّ. 
على الرغم من الطبيعة النافذة لهاتين الآليتين في تأسيس الهُويّات، فقد جرى تطويعهما - كما ستدّعي هذه المقالة - لسياق وسيرورة أقوى، ألا وهي المقاومة.
وعلى خلاف الحالات العربيّة/ الشرق أوسطية الأخرى، تجاوز السياق الاستعماريّ المتواصل في فلسطين الإطار الزمنيّ للتجارب الاستعماريّة الأخرى، بحضوره الشامل وبالجهاز التمييزيّ الوحشيّ المفروض على الفلسطينيّين، هذا السياق ما زال يقوم بدور المصمّم المطلق للهُويّة الفلسطينيّة وللواقع الفلسطينيّ السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ.
الردّ الفلسطينيّ الذي لا ريب فيه لهذا السياق على امتداد القرن الأخير كان المقاومة. 
فكرة المقاومة أدّت دورًا عظيمًا في التأثير على مفهوم الفلسطينيّين لذاتهم الجماعيّة، وفي خلق "فلسطينيّتهم". 
وبوعي أو دون وعي، تحوّل فعل المقاومة إلى "مانح" الشرعّية المركزيّ، وأُجبِرَ حتّى "القوميّ" وَ "الدينيّ" على تقديم (وإعادة تقديم) نفسيهما للجماهير من منظور المقاومة. 
الملاحظات سوف تركز على مرحلة ما بعد الحرب، اقترابا من سؤال: وماذا بعد؟
الهوية الوطنية national identity مفهوم جديد في التاريخ السياسي للجماعات البشرية ومرتبط عضويا بمفهوم "الدولة الأمة"nation state، وربما يمكن اعتبارها الشقيقة التوأم للدولة الحديثة. 
في مرحلة ما قبل الدولة الوطنية لم يكن ثمة حاجة لهذا المفهوم الذي صار له أن يتطور خلال القرنين الماضيين، متوازياً، مع تكرس فكرة السيادة القومية، ليحتل مكانة قريبة من المقدس. 
كانت المجموعات البشرية والأقوام وفي سياق الأنظمة الامبراطورية العابرة للحدود الجغرافية والديموغرافية معرفة بقواسم ومميزات لكل منها يتمثل في الاشتراك في الجغرافيا، وكثافة العلاقات التبادلية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية والمكونات المشتركة، مقارنة ببعضها البعض، وما ينتج عن ذلك من وعي رخو بذات جمعية متعينة.
العوامل المشتركة التاريخية والثقافية والاجتماعية تلك، والى جانب طبيعة العلاقة مع "الآخر" والرغبة في التمايز عنه، وقفت وراء تبلور الهويات الوطنية كنتاج سيرورات مركبة وظروف مختلفة. 
طبيعة العلاقة مع الآخر في فضاءات عريضة من العالم حددتها تجربة الكولونيالية الغربية التي ساهمت في بروز واستقواء هويات وطنية في البلدان المُستعمرة.
لكن هذه الهويات لم تكن نتاجا حصريا لهذه الكولونيالية، بل هي إعادة استحضار لمكونات تاريخية وجغرافية وثقافية وتشغيلها في إنتاج "هوية وطنية" مقاومة للاستعمار. 
وهكذا فإن "المقاومة" اشتغلت عمليا على إعادة صوغ تصور الجماعة الوطنية عن نفسها وأصبحت الآلية الأهم في تشكل الهوية الجمعية. وفي نفس الوقت لا يمكن القول إن المقاومة هي الآلية والمكون الحصري للهوية الوطنية حتى لو كانت تلك الهوية قيد الاستعمار.
ويمكن تصور عبور الهوية الوطنية في العصر الحديث وفي السياق الكولونيالي وما بعد الكولونيالي في مرحلتين: الأولى هي انتزاع "الوطنية" والتحرر من المستعمر، ثم انتزاع "المواطنة" من النظام السياسي في مرحلة الاستقلال. 
معنى ذلك أن التحرر من الاستعمار لا يجلب معه التحقق الكامل للهوية الوطنية، بل تخلصها من السيطرة الخارجية فقط، بينما لا تُنجز تماما إلا من خلال تحقيق "المواطنة" في المرحلة الاستقلالية التالية. 
ومن المهم مفهوميا كسر حصرية المقاومة بالكفاح المسلح، فإضافة إلى هذا الأخير فهي تتضمن الأفكار والآليات والممارسات والجهود التي تتوجه أساسا نحو رفض النظام الفوقي للاستعمار أو القوة الأجنبية المسيطرة والتمرد عليه والتخلص منه، وهذه كلها تشكل مع الزمن وتكرس الفعل المقاوم الوعي بالذات الجمعية، ويصبح الالتزام بها، سواء عبر الممارسة المباشرة أو الإقرار بشرعيتها، هو المُعرف الأساسي لمعنى الانتماء لقوم ما. 
على ذلك قد تكون المقاومة، في السياق الفلسطيني مثلاً، الكفاح المسلح، أو المقاومة السلمية، أو النضال ضد السياسات العنصرية (كما في حالة فلسطينيي الداخل).
وخلال مرحلة التحرر من الاستعمار فإن المقاومة (على المستوى الفلسطيني وغيره) وتبعا لتعقلها بكونها مؤسسا تكوينيا مرتبطا بالهوية تشتغل على عدة مستويات مهمة، أولها، أنها تعمل على منح الشرعية وحجبها للأفكار والممارسات التي تنشأ تحت الحكم الكولونيالي. 
فمن (وما) يلتزم بالمقاومة وأهدافها وينخرط فيها ينتمي لـ "الجماعة الوطنية" ويتصف بـ "هويتها". 
وثانيها، كونها تصبح أحد أهم معايير التأثيم الفردي والجماعي بدءاً من الحد الأدنى وهو الشعور بالتقصير لعدم الانخراط فيها وممارستها، ووصولا إلى الحد الأعلى وهو الطرد من الهوية الوطنية في الحالات القصوى كالخيانة والتخابر مع العدو. 
وثالثها، أنها تعمل على شرعنة الفعل النظري والعملي: السياسي، والديني، والاقتصادي، والفني، والثقافي، وتعطيه رخصة مزاولة الحياة الاجتماعية: وينشأ تبعا لذلك "الاقتصاد المقاوم" و"الفن المقاوم" و"الدين المقاوم"، وكأن أيا من هذه الأنشطة لن يتمتع بممارسة الشرعية الكاملة ما لم يرتبط بالمشروع الأعلى "المقاوم". 
تطورت مركزية المقاومة في سيرورة تشكل الهوية الفلسطينية ومرت في حقب متلاحقة، وخاصة في أعقاب بروز حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي، وشبه التماهي بين المقاومة والهوية، وظلت كذلك إلى توقيع اتفاق أوسلو. عندها توقفت المقاومة (كإطار جامع للهوية والفاعلية الفلسطينية) وانتقل الوضع الفلسطيني إلى الغموض الخطر. 
ومكمن الخطر في هذه الحقبة يتمثل في الوقوف في منتصف الطريق حيث أخرجت المقاومة ذاتها من المعركة ضد المستعمر قبل إنهاء مهمتها الطبيعية وهي التحرر والاستقلال، وقبل الانتقال إلى الدولة الحاضنة الحديثة للهوية الوطنية. 
أدى ذلك إلى بروز مشروعين متناقضين "المقاومة عند حماس" و"الحل السلمي" عند الفصائل الوطنية، وبذلك لم تعد المقاومة هي المشروع الناظم والجامع للفاعلية والهوية الفلسطينية. 
خلال الحقب الزمنية راكمت منظمة التحرير وحركة حماس "رأسمال مقاومي"، تم استنزافه في مشروعين غير متجانسين: المفاوضات، والأسلمة. 
رصيد فصائل منظمة التحرير من سنوات الستينيات وحتى أوسلو، تم استنزافه في مشروع المفاوضات وبناء السلطة الفلسطينية، ورصيد حماس المقاومي تم استنزافه في مشروع الأسلمة المجتمعية. 
ومع نفاد الرصيد المقاومي بأكمله عند الطرفين تنكشف المشروعات الخلافية وتصطدم ببعضها البعض وتتحرك دون إقناع وفي غياب غطاء المقاومة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في تبلور الهُويّة الوطنية الفلسطينية في تبلور الهُويّة الوطنية الفلسطينية



GMT 11:43 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

سرديات رام الله ثانية: رواية "رام الله"

GMT 11:35 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

معركة الشهداء هي ذاتها معركة الاستقلال

GMT 11:30 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

حين يسخر التاريخ من مصادفاته..!!!

GMT 11:26 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

إسرائيل 2021: انقسام المجتمع وتقويض أسس "الأمن القومي"!

GMT 11:22 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

"تابلو" على الحاجز

GMT 09:58 2021 الأحد ,03 كانون الثاني / يناير

محمود درويش: "المتن المجهول"

GMT 09:53 2021 الأحد ,03 كانون الثاني / يناير

سؤالنا وتجربتهم

GMT 09:46 2021 الأحد ,03 كانون الثاني / يناير

عام التطبيع.. الإسلاميون ينكشفون أيضاً..!!

إطلالات سيرين عبد النور بخيارات عصرية

القاهره ـ فلسطين اليوم
اشتهرت المغنية والممثلة وعارضة الأزياء اللبنانية سيرين عبد النور في العالم العربي بعد إصدارها ألبومها الغنائي لعام 2004، بينما كان دخولها مجال عرض الأزياء هو الباب الذي قادها إلى التمثيل والنجاح، كما تميزت مؤخرًا بتقديم البرامج التلفزيونية، وتبقى سيرين من الفنانات العربيات اللاتي تميزن في الإطلالات؛ لكونها صاحبة أسلوب فريد من نوعه.فضَّلت سيرين عبد النور اختيار الإطلالات الأحادية في مظهرها اليومي، ومن أبرز إطلالاتها تأنقت بجمبسوت باللون البيج مزين بحزام من نفس اللون مع قميص بيج مميز كشفت به عن أحد كتفيها بلمسة عصرية، وفي إطلالة أخرى اختارت تنورة بيضاء مصممة بعدة طبقات مع معطف من الجلد الأبيض، وتزينت بتسريحة شعر مرفوعة مع مكياج ترابي لخيار ناعم بلمسة كلاسيكية، وفي الإطلالة الثالثة نسقت بنطالًا أسود لامعًا مع قميص أسود شف...المزيد

GMT 08:49 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

طرق ارتداء نقشة الكارو الحيوية بألوان متنوعة في ربيع 2021
 فلسطين اليوم - طرق ارتداء نقشة الكارو الحيوية بألوان متنوعة في ربيع 2021

GMT 07:40 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

أبوظبي عروس السياحة "الشتوية"
 فلسطين اليوم - أبوظبي عروس السياحة "الشتوية"

GMT 07:23 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

نائب ترامب سيحضر حفل تنصيب بايدن
 فلسطين اليوم - نائب ترامب سيحضر حفل تنصيب بايدن

GMT 07:44 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

بسمة وهبة توجه رسالة إلى المتنمرين على ابنتها
 فلسطين اليوم - بسمة وهبة توجه رسالة إلى المتنمرين على ابنتها

GMT 06:31 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مستوطنون يعتدون على منازل المواطنين غرب سلفيت

GMT 15:43 2020 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

مناخا جيد على الرغم من بعض المعاكسات

GMT 09:51 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

الاحتلال يعتقل 3 مواطنين من الخليل بينهم محاميان

GMT 09:32 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

تشعر بالإرهاق وتدرك أن الحلول يجب أن تأتي من داخلك

GMT 06:25 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 12:19 2015 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

كل شيء عن عملية الليزك

GMT 03:17 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

زوجة إيمانويل ماكرون تتبع نظامًا غذائيًّا موسميًّا وصحيًّا

GMT 11:48 2020 الخميس ,29 تشرين الأول / أكتوبر

الذهب يرتفع مع توقف صعود الدولار
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday