تركيا بين «رقمين» ومرحلتين
آخر تحديث GMT 10:32:22
 فلسطين اليوم -

تركيا بين «رقمين» ومرحلتين

 فلسطين اليوم -

تركيا بين «رقمين» ومرحلتين

عريب الرنتاوي

مُنيت أنقرة بنكسة دبلوماسية كبيرة ومفاجئة، عندما أخفقت في الحصول على معقد في مجلس الأمن الدولي، النكسة لم تتجل فقط في عدم الوصول إلى أعلى قمة المنتظم الدولي فحسب، بل وفي العدد المتواضع من الأصوات الذي تحصلت عليه الدولة الإقليمية الكبرى، صاحبة الطموحات الزعاماتية في الإقليم، إذ لم تحصل على أكثر من ستين صوتاً، في حين فازت اسبانيا بالمقعد بأكثر من ضعف هذه الأصوات 132 صوتا، وفنزويلا بثلاثة أضعافها: 181 صوتاً.
آخر مرة احتلت فيها تركيا مقعداً في المجلس المذكور، كانت عامي 2009– 2010، يومها حصلت أنقرة على 151 صوتاً، ويومها كان “الأنموذج التركي” في ذروة صعوده وتألقه، داخلياً بالطفرة الاقتصادية المصحوبة باقتراب غير مسبوق من “معايير كوبنهاجن” لعضوية الاتحاد الأوروبي، وخارجياً بسياسة “صفر مشاكل” و”القوة الناعمة” والانفتاح على مختلف العواصم والقارات، وإحصاءات أحمد داود أوغلو عن أعداد سفراته لكل عاصمة من عواصم المنطقة، وعشرات ألوف الأميال التي يقطعها شهراً بعد آخر، لتوسيع شبكة علاقات بلاده مع العالم.
اليوم تبدو الصورة مغايرة تماماً، فالعالم أدرك حجم التغيير الذي طرأ على السياستين الداخلية والخارجية التركيتين، وقرر المجتمع الدولي في نيويورك على ما يبدو، “حجب الثقة” عن أنقرة، التي قامرت بنموذجها الخاص، وانخرطت في سياسات المنطقة من أسوأ بواباتها: مصادرة الحريات، ضرب استقلالية القضاء، ملاحقة الإعلام والإعلاميين، الانخراط في مشاريع “أسلمة الدولة والمجتمع”، خطاب مذهبي قسّم تركيا والإقليم وفقا لخطوط المذاهب والطوائف، عودة الحرب الأهلية بعد ازدهار العملية السياسية مع الأكراد، إجماع دولي على اتهام أنقرة بدعم “داعش” وتباين حول أشكال هذا الدعم وحدوده وأهدافه، خطاب عُصابي متشنج، يطفح بكثير من الاستعلائية والمكابرة والعناد ... مواقف من الأزمات في سوريا والعراق ومصر نجحت في تجنيد مروحة واسعة من الخصوم بدل تصفير قائمة الأعداء.
إن كان ثمة من دلالة لنتائج المعركة على معقد في مجلس الأمن، فهي أن تركيا لم تعد تلك “التجربة” التي يممنا وجوهنا شطرها ذات يوم لتعلم دروسها وخبراتها ... القطار التركي خرج عن سكته وضل طريقه، والعد العكسي لتجربة “العدالة والتنمية” بدأ مع اندلاع شرارات الربيع العربي، الذي رأت فيه أنقرة، سانحة لتعزيز زعامتها على المنطقة، حتى وإن كانت الطريق إلى ذلك، تمر عبر “تحالف استراتيجي” مع فريق أو فصيل، في مواجهة بقية المكونات، وحتى إن كان إشهار “الهوية المذهبية” هو الوسيلة للعب على وتر الأغلبية الشعبوية في الإقليم.
لطالما هاجمت أنقرة منتقديها على ألسنة كثير من الناطقين باسم الحزب الحاكم ... كل من ينتقد السياسة التركية، هو إما “بوق لنظام الأسد” أو عميل للمالكي، أو “قومجي” عربي، لا يكنّ وداً لتركيا ... كاتب هذه السطور اتهم بـ “القومجية”، لكأن المطلوب من المثقف العربي أن يكون “طورانياً” تركياً حتى ترضى عنه الدوائر التركية ... علماً بأننا كنّا أول مَن رحب بالتقارب التركي – السوري والتركي العراقي، وبتجربة حزب العدالة والتنمية، وأول من استضاف قادته ومفكريه إلى منتديات فكرية في المنطقة، وبعيد وصوله بأشهر للسلطة، كما كنّا من بين من شجع إسلاميي المنطقة والعالم العربي، إلى التدقيق والتعلم من “دروس التجربة التركية”، ونظمنا لهذا الغرض العديد من الأنشطة في كل من عمان وبيروت والقاهرة وأنقرة وإسطنبول.
نتائج التصويت على عضوية تركيا في مجلس الأمن، يجب أن تقرأها أنقرة على أنها تصويت عالمي على التبدل الذي طرأ على سياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم خلال السنوات الأربع الفائتة، لا بوصفها مؤامرة على تركيا، كما قد يحلو للرئيس رجب طيب أردوغان أن يفسر كل ما تواجه بلاده، من تحديات وانتقادات ... نتائج هذا التصويت، تعكس تراجع مكانة في الإقليم وعلى الساحة الدولية، والناجمة عن خروج تركيا عن قواعد سياستيها الداخلية والخارجية التي صاحبت صعود الحزب وزعامته الكارزمية، التي قلنا فيها أكثر من مرة، أنها باتت عبئاً على تركيا بدل أن تكون ذخراً لها.
ولا يجب أن يخطئ أحدٌ في تفسير فوز الحزب وزعامته في الانتخابات المتعاقبة على أنها دليل على صحة سياساته ومواقفه، جميع مواقفه وسياساته، ربما يكون النجاح الاقتصادي هو سبب مهم لهذا الفوز المتكرر، لكنه فوز مصحوب بتفاقم حالة الاستقطاب داخل البلاد، وانتعاش الهويات الثانوية على حساب الهوية القومية الجامعية، وتفاقم المسألة الكردية وعودة الحرب الساخنة بين الأتراك والأكراد على خلفية ما يجري في سوريا والعراق، و”الصحوة العلوية” ... وليس المهم أن يأتي الحزب أو الزعيم بنصف أو حتى ثلثي الأصوات الناخبة... فالأهم، ألا يشعر النصف الآخر أو الثلث الآخر من المجتمع، بأن من وصل إلى السلطة، هو عدوٌ لهم، المهم ان تنتهي الانقسامات السياسية الانتخابية عند لحظة إعلان النتائج، لا أن تتحول إلى انقسامات مذهبية وقومية مستدامة، قد تعصف بالهوية والدولة والكيان.
والمؤسف أنه في الوقت في الذي يكشف فيه كثير من المفكرين والمثقفين الأتراك، عن إدراك عميق لما تواجهه تركيا منذ أربع سنوات، إلا أن حالة الاستقطاب التي تعيشها البلاد، تحد من تأثير أفكار هؤلاء وملاحظاتهم، وسط قناعة متزايدة، بأنه لا فرصة حقيقية لإجراء مراجعات للتجربة والسياسات في ظل هيمنة رجب طيب أردوغان على مقاليد الحزب والزعامة والرئاسة والحكومة، فالرجل بطبيعته الشخصية، ليس من النوع الذي يعترف بالخطأ أو يتحلى بكثير من المرونة؛ ما يعني أن تركيا ستعاني حتى إشعار آخر، من النتائج الضارة للسلطوية الجديدة، وحكم الفرد الذي أكل الحزب وحلّ محله.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تركيا بين «رقمين» ومرحلتين تركيا بين «رقمين» ومرحلتين



GMT 13:02 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ملاحظات أولية لمواطن بسيط

GMT 12:58 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه الجديد للأزمة الأميركية

GMT 12:53 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أسرانا المنسيين

GMT 12:49 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

سيد بايدن: فكّر بغيرك

GMT 12:44 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ثمّة متسعٌ للمزيد

GMT 08:01 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حذارِ من الحرب الأهليّة في فرنسا

GMT 14:10 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 13:52 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الثلاثاء الكبير: إسرائيل بانتظار بايدن!

أبرزها ذلك الفستان الأزرق الذي تألقت به كيت ميدلتون من "زارا"

10 إطلالات لسيدات العائلات الملكية في متناول اليد تعرفي عليها

لندن ـ فلسطين اليوم
على الرغم أن خزانة ملابس سيدات العائلات الملكية تحتوي على فساتين باهظة الثمن، لكن هن أيضا يتألقن بأزياء بأسعار ذات ثمن قليل وفي متناول اليد، ويمكن لأي من السيدات الوصول لها بسهولة في العلامات التجارية المختلفة مثل زارا "Zara"، وجاب " Gap" وتوب شوب "Topshop" وغيرها المنتشرة في جميع أنحاء العالم، ونستعرض معًا في السطور التالية 10 إطلالات لسيدات العائلات الملكية تقل تكلفتها عن 100 دولار، لتبقى في متناول اليد. كيت ميدلتون في أول ظهور لكيت ميدلتون دوقة كامبريدج، في إجازة شهر العسل، طلت بفستان أزرق من زارا "Zara " بحوالي 90 دولار، وهو لم يبقى على الموقع الإلكتروني للعلامة التجارية كثيرا، إذ نفذ من الأسواق سريعا، وفي زيارة لدوقة كامبريدج، إلى نيوزيلندا ارتدت قميص كاروهات مريح من "Gap"، وهو عادة يباع بسعر 54.95 دولار، إلا أن ...المزيد

GMT 10:19 2020 الخميس ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

شاهدي موديلات فساتين باللون الليلكي موضة خريف وشتاء 2021
 فلسطين اليوم - شاهدي موديلات فساتين باللون الليلكي موضة خريف وشتاء 2021

GMT 10:26 2020 الخميس ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

تعرفي على خطوات صناعة زينة شجرة كريسماس زجاجية
 فلسطين اليوم - تعرفي على خطوات صناعة زينة شجرة كريسماس زجاجية

GMT 18:20 2015 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

فوائد الفجل لخفض نسبة السكر في الدم

GMT 21:02 2016 الجمعة ,03 حزيران / يونيو

الفراولة .. فاكهة جميلة تزيد من جمالك

GMT 01:37 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

الفنانة وفاء عامر تؤكّد نجاح مسلسل "الطوفان"

GMT 10:00 2015 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

شركة الغاز توصي بتوزيع 26 مليون ريال على مساهميها

GMT 00:29 2015 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مبروك يستأنف مشوار كمال الأجسام ويشارك في بطولة العالم

GMT 09:08 2019 الأحد ,27 كانون الثاني / يناير

إطلالات مخملية للمحجبات من وحي مدونة الموضة لينا أسعد

GMT 17:47 2018 الخميس ,16 آب / أغسطس

20 وصية للتقرب إلى الله يوم "عرفة"

GMT 10:13 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات رفوف للحائط لتزيين المطبخ و جعله أكثر إتساعا

GMT 04:59 2018 الأربعاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

"مرسيدس" الكلاسيكية W123"" أفخم السيارات

GMT 06:09 2018 الأحد ,14 كانون الثاني / يناير

راغب علامة يحتفل بعيد ميلاد إبنه لؤي في أجواء عائلية
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday