محاولة في فهم معنى التطرف
آخر تحديث GMT 14:16:32
 فلسطين اليوم -

محاولة في فهم "معنى التطرف"

 فلسطين اليوم -

محاولة في فهم معنى التطرف

عريب الرنتاوي

إن أول مشكلة تواجه الباحث في قضايا التطرف، إنما تتعلق بتحديد المصطلح،فإذا كان التطرف لغة يعني إمساك الشيء من طرفه، أو إتيان الشيء من طرفه، فإن تعريف التطرف اصطلاحاً يصبح أكثر تعقيداً ... ففي العلوم الاجتماعية، ليس ثمة اتفاق على تحديد “نقطة الوسط” أو “المنتصف”، حتى يصبح الاتفاق على معنى “التطرف” أمراً ممكناً،فهي نقطة متغيرة في المكان، فما هو متطرف في مجتمع، لا يبدو كذلك في مجتمع آخر، وهي نقطة متغيرة في الزمان، فما يبدو تطرفاً اليوم، قد لا يصبح كذلك في المستقبل.
 والتطرف كظاهرة اجتماعية مركبة، يُنظر إليها كـ “خروج عن النسق العام” و”منظومة القيم والمبادئ والأفكار الشائعة والرائجة والمتوافق عليها بين الناس” ... وفي أزمتنا الراهنة، فإن منظمة القيم والمبادئ، لم تعد محلية خالصة، نابعة من مورث الأمة والمجتمع فحسب، بل باتت لها مرجعيات أممية، تواضعت البشرية حولها، وسطرتها في جملة من المواثيق والمعاهدات الدولية؟ ... فليس بالضرورة أن تكون مؤيداً لداعش حتى توسم بالتطرف، يكفي أن تنسب لنفسك ولمرجعيتك الاعتقادية، الحقيقة المطلقة والأخلاق الحميدة، وتحجبهما عن الآخرين، حتى تصبح متطرفاً ... يكفي أن تنتقص من إنسانية “الآخر” أو تستكثر عليه حقوقه الأساسية، لا لشيء إلا لأنه يختلف معك في الجنس أو العقيدة أو المذهب أو الدين أو القومية أو اللسان، حتى تصبح متطرفاً.
والتطرف عادة، يأتي متبوعاً بما يوضحه، كأن يقال تطرفاً وغلوا، والغلو هنا هو التجاوزالأبعد لحدي الإفراط أو التفريط ... وأحياناً يُتبع التطرف (أو تترتب عليه) انحرافات سلوكية، عندها ينتقل المتطرف من فضاء الفكرة والاعتقاد إلى حضيض الممارسة اللاقانونية واللاأخلاقية، وتتدرج هذه الانحرافات من حيث شدتها وخطورتها الجرمية، تبدأ بالتحقير وتمر بالتعرض والمضايقات وتصل ذروتها بالإرهاب بشتى صوره.
ويقال أيضاَ، التطرف والإرهاب، ويردا كمتلازمتين، وهنا غالباً ما يذهب الحديث صوب التطرف الديني، مع أن الحاجة تقتضي التمييز بدقة بين الأمرين، فليس كل متطرف إرهابي، مع أن كل إرهابي هو متطرف بالتعريف ... والتطرف في حالة الإرهاب، هو انتقال من دائرة الاعتقاد إلى دائرة السلوك الإجرامي ... مثل هذا التمييز ضروري عند رسم السياسات والاستراتيجيات الكفيلة بمحاربة التطرف واجتثاث الإرهاب ... فالتطرف طالما ظل في دائرة الفكر والمعتقد، يعالج بوسائل فكرية وثقافية وتربوية، والفكر لا يُدحض إلا بالفكر، والمعركة مع التطرف هي ذاتها المعركة على عقول وقلوب الكافة من الناس، وهنا تشتد الحاجة لتفعيل جبهات الثقافة والفنون والإعلام وفضاءات التواصل الاجتماعي لمواجهة ظاهرة التطرف.
أما حين ينتقل التطرف من ميدان الاعتقاد إلى ميدان السلوك المنحرف، فلا بديل عن المعالجات الأمنية، لفرض سيادة القانون وحفظ حقوق المواطنين والمكونات المختلفة، وتكريس هيبة الدولة وسلطانها ... واحسب أن جلالة الملك، كان شديد الوضوح في حديثه عن أنماط المعالجات المختلفة لظاهرة التطرف والإرهاب ... فثمة حلول أمنية وأخرى عسكرية، لحفظ أمن الأوطان والمواطنين وسلامتهم، وثمة معالجات فكرية وإيديولوجية، تبدأ بالبيت والمدرسة ولا تنتهي بالجامعات والمعاهد وفضاءات الإعلام والثقافة والفنون والمنظومة التشريعية والمؤسسية للدولة بمختلف مؤسساتها.
والتطرف كظاهرة، لا يمكن رده لسبب واحد، كأن يقال الفقر والبطالة، أو الاستبداد وانعدام العدالة الاجتماعية ... التظرف ظاهرة اجتماعية تتظافر في تشكيلها جملة عوامل ثقافية ودينية واجتماعية واقتصادية بالضرورة ... فالفقر والبطالة لا يولدان التطرف إلا إذا التقيا بثقافة التكفير وتحقير الاحتقار ... فسلطنة عمان على سبيل المثال، تأتي في آخر قائمة الدولة الخليجية من حيث معدلات دخل الفرد، بيد أنها أقلها إسهاماً في تصدير المتطرفين والإرهابيين، وثمة دول تفوقت على عمان في الدخل والثروة، تقدمت عليها كذلك، في قائمة الدول المصدرة للإرهاب.
وتونس التي نحتفي بها بوصفها التجربة الأنجح في الانتقال السلمي التوافقي للديمقراطية، تحتل الموقع الثاني في قائمة الدول المصدرة للإرهاب، بعد السعودية، ومن دون أن يعني ذلك بالضرورة، الوصول إلى نتيجة مفادها أن لا حاجة للإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، نقول إن المؤشرات العامة التي توصلت إليها معظم الدراسات الخاصة بالتطرف والإرهاب، تشدد على العلاقة الجدلية بين نجاح دولة المواطنة، دولة جميع أبنائها في إقامة علاقات سليمة مع مجتمعها ومواطنيها من جهة، وتنامي أو تآكل جيوب التطرف والإرهاب من جهة ثانية.
كما أثبتت الدراسات ذات الصلة، أن انعدام العدالة في توزيع الدخل والثروة، وتفشي مظاهر الفساد والإفساد، واتساع جيوب الفقر والبطالة، وتفاقم الإحساس بالتهميش الاقتصادي والاجتماعي، هي وصفات جاهزة لشيوع التطرف وتنامي خطر الإرهاب ... لذلك فإن أية مقاربة لهذا الظاهرة، من زاوية واحدة، هي مقاربة ضيقة، ولا تفضي إلى اجتراح الحلول والمعالجات المطلوبة.
إن أخطر منابع التطرف تكمن في مؤسسات التربية والتعليم، حين تخفق المناهج والأساليب التربوية في إنشاء أجيال شابة، مشبعة بثقافة الحوار والتسامح والاعتراف بالآخر واحترامه، وحين تعجز العملية التربوية، عن تشكيل جيل من الشباب المسلحين بالتفكير النقدي، سيما إذا تزامن ذلك مع تآكل في أدوار مؤسسات الوعظ والإرشاد وانكفاء دور علماء الدين المتنورين، وشيوع الخطابات المتشددة والأفكار الغيبية القائمة على الخرافات والأساطير، وحين تتحول المدارس والمنابر، إلى ساحات للعنف المجتمعي أو ميادين لنشر ثقافة الكراهية وإلغاء الآخر.
وأخيراً، التطرف ليس بضاعة أردنية، ليصار إلى معالجته أردنيا فحسب، لكن الأردن لم ينج من سطوته وطوفانه اللذان اجتاحا المنطقة برمتها، وكلما تقدمنا على طريق تحصين المجتمع الأردني في وجه رياح الغلو والتشدد، كلما تعززت مناعتنا في مواجهة هذه الآفة، فهل نحن فاعلون؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محاولة في فهم معنى التطرف محاولة في فهم معنى التطرف



GMT 13:02 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ملاحظات أولية لمواطن بسيط

GMT 12:58 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه الجديد للأزمة الأميركية

GMT 12:53 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أسرانا المنسيين

GMT 12:49 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

سيد بايدن: فكّر بغيرك

GMT 12:44 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ثمّة متسعٌ للمزيد

GMT 08:01 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حذارِ من الحرب الأهليّة في فرنسا

GMT 14:10 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 13:52 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الثلاثاء الكبير: إسرائيل بانتظار بايدن!

أعادتنا هذه الموضة إلى عالم الأربعينات والخمسينات

تعرفي على إطلالات النجمات العالميات بأسلوب "الريترو"

القاهرة ـ فلسطين اليوم
تنوّع النجمات في إطلالاتهن على السجادة الحمراء، فمنهن من يقررن اعتماد طابعًا معينًا ومنهن من يفضلن البساطة، إلا أننا لاحظنا أن عددًا من النجمات العالمية فضلن هذه الفترة اعتماد موضة الريترو المستوحاة من الحقبات القديمة بحيث اخترن فساتين ذات قصات قديمة وقرروا اعادتها الى الواجهة. لذا تعرفي الى أبرز من اعتمدها، وكيف يمكن أن تنسقيها بأسلوبك الخاص. فساتين بطابع الريترو لا يمكن أن تغيب التصاميم القديمة عن ساحة الموضة فهي تعتبر هوية الموضة الحالية وارثها الثمين. من هنا قررت النجمات أن يعدن هذه الموضة الى الساحة الجمالية والخاصة بعالم الموضة تحديداً، فرأينا فساتين بقصات متنوعة مستوحاة من الحقبات الماضية. عودة الى أربعينات وخمسينات القرن الماضي لا تُشكّل العودة في الصيحات ‘لى سنوات قليلة مضت، بل على العكس أعادتنا هذه الموضة ...المزيد

GMT 11:06 2020 الأحد ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

5 حيل لديكورات غرف نوم أكثر جمالًا تعرفي عليها
 فلسطين اليوم - 5 حيل لديكورات غرف نوم أكثر جمالًا تعرفي عليها

GMT 06:41 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 13:42 2020 الجمعة ,03 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 12:28 2020 الأحد ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يهنىء بايدن بالفوز على ترامب

GMT 16:30 2015 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

حماية الجهاز الهضمي مفتاح علاج السرطان

GMT 12:21 2020 الخميس ,06 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 10:05 2016 الأربعاء ,17 آب / أغسطس

مصرع شاب في حادث دراجة نارية في مدينة غزة

GMT 01:41 2020 الأربعاء ,08 تموز / يوليو

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك وانطلاقة مميزة

GMT 03:03 2016 الخميس ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الأطفال يطلعون على كيفية التعامل مع الثعابين السامة
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday