وابور الجاز
آخر تحديث GMT 08:54:07
 فلسطين اليوم -

وابور الجاز

 فلسطين اليوم -

 فلسطين اليوم - وابور الجاز

عمار علي حسن

مع ضُحى كل جمعة، يجلس «شعبان» صامتاً بين بوابير الجاز. ينفخ فى هذا لتسليك الفونية المسدودة حتى يندفع الكيروسين إلى أعلى فيشتعل، ويلحم هذا بالقصدير ليسد ثقباً صغيراً يجعل الوابور يفرغ الهواء فلا يزهر باللهب، ويُقيم أرجل هذا بعد أن تآكل أو كُسر رأسه فيجبرها أو يغيرها مما يوجد معه من قطع غيار مستعملة أو جديدة، نائمة فى قلب الصندوق الذى يحمله على ظهره كل أسبوع قادماً من مدينة المنيا إلى قرية الإسماعيلية. يجلس والعيال يتحلَّقون حوله وعيونهم معلقة بيديه اللتين تعملان فى دأب، والدهشة تكسو وجوههم وكأن «شعبان» يخترع ما لم يصل إليه أحد من العالمين. طالما رأوا الفلاحين يضربون بالفؤوس والمناجل، ويلفون الطنبور فتتدفق المياه إلى زروعهم العطشى. ويرون النجار وهو يشق جذوع الشجر بمنشاره ويقطع بقادومه ويدق بشاكوشه. ويعرفون المذراة التى تفصل القمح عن التبن. هذا كله أصبح عادياً لهم. أما ما يفعله «شعبان» فهو جديد وغريب عليهم. على المصاطب فى المساءات الرائقة يأتى الناس على ذِكر «شعبان» كثيراً. يقولون: إنه طالب فى المدرسة الفنية الصناعية، مات أبوه وترك له أختاً تكبره وتدرس بمدرسة التجارة، ويعول نفسه وإياها. ستة أيام فى المدرسة، ويوم واحد للعمل، يلملم فيه بعض قروش الفلاحين الكادحين ويعود إلى البندر. - والله بطل. - شاب محترم. - يأكل لقمته بالحلال. - كان يمكن أن ينحرف فيصبح نشالاً، لكنه سيكمل تعليمه ويجد وظيفة. هكذا كان يقال عن «شعبان» فى ليالى السمر أو خلال فترة الراحة القصيرة التى تتوسط ساعات الكدح فى الحقول تحت الشمس الحارقة. ظهور «شعبان» فى قريتنا جعل «الكانون» فى خبر كان. كل امرأة ضغطت على زوجها ليشترى لها وابوراً بدلاً من نار الخشب التى تزجى دخاناً يكتم الصدور ويلهب العيون. ومع الأيام صارت بعض الفلاحات يحملن البوابير إلى الحقول فنجت الأشجار من التقليم الجائر. تقدمت الاختراعات فصنع الصناع «وابور الشرائط» وكانت أعطاله أقل فتضاءل رزق «شعبان»، لكنه كان يأتى كل جمعة ويجلس فى مكانه المعتاد صامتاً ويداه الملطختان بالهباب لا تكفان عن العمل. وفى يوم تزوجت ابنة شيخ البلد، فأحضر لها أبوها موقداً اسمه «البوتاجاز» له أربع عيون تشتعل فى وقت واحد، ومعه أنبوبة كبيرة، كان خادمهم يذهب كل شهر ليملأها بغاز البوتاجاز من البندر. بعدها اشترطت الأمهات على خُطَّاب بناتهن أن يكون البوتاجاز أول قطعة فى جهاز العروس. وهكذا راحت البوابير تتناقص فتناقصت زيارات «شعبان» لبلدنا، لتصبح مرة واحدة كل شهر. يأتى فيجلس فى مكانه من الضحى حتى قدوم الليل ثم يذهب. وقيل إنه حصل على الدبلوم وعمل فى وظيفة بمصلحة الكهرباء، وأخته توظفت بمجلس المدينة، لكنه يواصل إصلاح البوابير ليحسن دخله، لكن أين البوابير؟ جاء يوم وجلس مكانه، لكن أحداً لم يأتِ له بشىء حتى حل المساء. وراقبته العجوز التى يسند ظهره إلى حائط بيتها المتداعى، وحزنت لحاله. وقبل أن ينهض من قعدته الطويلة جاءت وفى يدها كيس بلاستيكى به كيزان ذرة خضراء، وقالت له: - بدلاً من أن تعود ويدك خالية. اعتذر لها، لكنها أصرت، فأخذ الكيس ومضى صامتاً. بعدها لم يظهر أبداً. ومع انتشار البوتاجاز فى كل البيوت غارت سيرته، ولم يعد أحد يتحدث عن كفاحه فى ليالى السمر، ولا أوقات الراحة بين ساعات الكدح فى الحقول. ذهبت ذكراه مع وابور الجاز إلى الأبد.

palestinetoday
palestinetoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وابور الجاز وابور الجاز



 فلسطين اليوم -

أفكار تنسيقات العيد مع الأحذية والحقائب مستوحاة من النجمات

القاهرة ـ فلسطين اليوم
مع اقتراب العيد، تبدأ رحلتنا في اختيار الإطلالة المثالية التي تجمع بين الأناقة والأنوثة، وتعد الأكسسوارات من أهم التفاصيل التي تصنع فرقاً كبيراً في الإطلالة، وخاصةً الحقيبة والحذاء، فهما لا يكملان اللوك فحسب، بل يعكسان ذوقك وشخصيتك أيضاً، ويمكن أن يساعدا في تغيير اللوك بالكامل، وإضافة لمسة حيوية للأزياء الناعمة، ولأن النجمات يعتبرن مصدر إلهام لأحدث صيحات الموضة، جمعنا لكِ إطلالات مميزة لهن، يمكنكِ استلهام أفكار تنسيقات العيد منها، سواء في الإطلالات النهارية اليومية، أو حتى المساء والمناسبات. تنسيق الأكسسوارات مع فستان أصفر على طريقة نسرين طافش مع حلول موسم الصيف، تبدأ نسرين طافش في اعتماد الإطلالات المفعمة بالحيوية، حيث تختار فساتين ذات ألوان مشرقة وجذابة تتناسب مع أجواء هذا الموسم، وفي واحدة من أحدث إطلالاتها، اختا...المزيد

GMT 07:51 2025 الإثنين ,02 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الميزان 02 يونيو / حزيران 2025

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 15:10 2016 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

مقتل مغامر فرنسي سقط من ارتفاع 100 قدم

GMT 11:56 2019 السبت ,13 تموز / يوليو

كبرى الشركات في قطر تُعلن عن وظائف شاغرة

GMT 11:05 2018 الأحد ,15 إبريل / نيسان

أجمل التصاميم والديكورات لكوشات أعراس 2018

GMT 03:01 2015 الجمعة ,04 كانون الأول / ديسمبر

ميشيل كيفان تخطف الأنظار بفستان مطرز وتاج من الألماس
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday