القدس المحتلة ـ ناصر الأسعد
عاشت عائلة الحاج أيوب شماسنة في منزل مستأجر في حي "الشيخ جراح" في القدس الشرقية، طيلة 53 عاماً، بعد أن فقدت بيتها في القدس الغربية نتيجة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948. لكن السلطات الإسرائيلية طردتها من البيت الأسبوع الماضي وشردتها مرة ثانية، بدعوى أن البيت المستأجر يعود إلى يهود امتلكوه قبل العام 48.
ويقول الحاج أيوب إنه استأجر البيت من قبل حارس "أملاك الإحتلال"، وهي دائرة أراضي وأملاك استحدثتها الحكومة الأردنية لتنظيم استخدام عقارات تركها أصحابها في تلك الفترة بعد إعلان قيام دولة إسرائيل على 78 في المئة من أرض فلسطين التاريخية، ومن بينهم يهود سكنوا في القدس وضواحيها. وبالنسبة لعائلة شماسنة، وغيرها من العائلات التي استأجرت تلك البيوت، فإنها كانت تبحث عن مأوى بعد أن فقدت بيوتها.
وقال الحاج أيوب: نحن استأجرنا بيوتنا بموجب القانون، ودفعنا إيجاراً شهرياً، وواصلنا دفع الإيجار الشهري بعد الاحتلال الإسرائيلي لحارس أملاك الدولة الذي سيطر على دائرة حارس أملاك العدو، الأردني. وأضاف: وفي عام 2009 توقف (حارس أملاك الغائبين) عن قبول الإيجار الشهري، وقال لنا إن ورثة أصحاب البيوت رفعوا دعوى إخلاء إلى المحكمة. وبعد صدور قرار المحكمة لمصلحة الورثة أحال هؤلاء ملكية البيت لمصلحة جمعية استيطانية أحالته بدوها إلى عائلة مستوطنة يهودية.
وبيت الحاج أيوب واحد من عشرين بيتاً في حي الشيخ جراح أُحيلت إلى جمعيات يهودية استيطانية. وقالت لجنة أهالي الحي إن سكان البيوت العشرين الأخرى تسلموا الأسبوع الماضي إخطارات لإخلاء بيوتهم خلال شهر. وكانت السلطات أخلت نحو عشر عائلات أخرى من منازل مشابهة في الحي خلال السنوات الماضية. وتشمل الحملة الإسرائيلية بيوتاً وممتلكات مماثلة في البلدة القديمة وبلدة سلوان.
وقال الخبير في شؤون الاستيطان خليل تفكجي، إن السلطات الإسرائيلية تحيل أملاك اليهود إلى بؤر استيطانية تهدف إلى تهويد القدس، مضيفاً: تعمل الحكومة الإسرائيلية على إقامة بؤر وتجمعات وامتدادات استيطانية بهدف خلق واقع استيطاني تصعب إزالته في أي حل سياسي مستقبلي. وأوضح أن هناك 185 بيتاً في البلدة القديمة في القدس كانت تدار من قبل (حارس أملاك العدو)، تعمل السلطات الإسرائيلية على إخلاء سكانها الفلسطينيين وإحلال مستوطنين يهود مكانهم. وأضاف أن هناك 27 بيتاً في سلوان أيضاً، وتعمل السلطات على إخلاء سكانها بشتى الطرق، وإحلال مستوطنين يهود محلهم. وقال خليل التفكجي، الباحث في شؤون القدس، إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة اتبعت سياسة تهويد في القدس بعد احتلالها العام 67، هدفت منها إلى تغيير المدينة من مدينة فلسطينية إلى مدينة يهودية.
وكانت بيوت سلوان تعود ليهود يمنيين هاجروا إلى البلدة في عام 1882، وأقاموا على مساحة خمسة دونمات من أراضي البلدة. وفي عام 1929 غادر اليهود اليمنيون سلوان بعد تفجر ثورة ضد الاستيطان اليهودي، حملت اسم "ثورة البراق". ويقول أهالي سلوان إن أهالي البلدة منحوا هذه المساحة من الأراضي لليهود اليمنيين كي يقيموا فيها لكونهم عرباً، غير مدركين أن دولة إسرائيل ستحيل هذه الأراضي إلى بؤرة استيطانية استعمارية.
واستولت السلطات الإسرائيلية على عشرات البيوت الأخرى لفلسطينيين هاجروا أو هُجّروا من مدينة القدس وضواحيها، وأحالت أملاكهم إلى ما يسمى «حارس أملاك الغائبين»، الذي أحالها بدوره إلى مستعمرين يهود.
وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية أخيراً عن خطة إسرائيلية لإسكان 400 عائلة يهودية في حي الشيخ جراح خلال السنوات الخمس المقبلة. وذكرت أن الهدف من المشروع هو خلق تواصل استيطاني يهودي من جبل "سكوبس" وشارع رقم 1 وحي الشيخ جراح وحي مئة شعاريم، في القدس الغربية.
ويقول محامو العائلات الفلسطينية إن القضاء الإسرائيلي لا يطبق المعايير ذاتها على أملاك الفلسطينيين التي استولت عليها إسرائيل بعد إقامة الدولة العبرية. وقال المحامي محمد دحلة الذي يتولى الدفاع عن عدد من أصحاب هذه البيوت في المحاكم الإسرائيلية: المشكلة الكبرى أن دولة إسرائيل تمنع الفلسطينيين من استعادة ممتلكاتهم التي كانت لديهم قبل العام 48، وتسمح بذلك لليهود فقط. وأضاف: نقل أصحاب البيوت الأصليين ملكية بيوتهم إلى جمعيات استيطانية تعمل على تغيير الوجه العربي للقدس، وتقوم هذه الجمعيات بتوظيف مكاتب محاماة ومحققين خاصين لملاحقة المستأجرين الفلسطينيين وإخلائهم.