من أعمال الشغب والمظاهرات التي شهدتها باريس ومدن فرنسية أخرى

تسببت الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، والتراجع الملحوظ في الخدمات العامة، إلى جانب الاستياء العارم من أوضاع القطاع التعليمي وأزمة السكن والإيجارات المرتفعة، في اندلاع موجة احتجاجات حاشدة شملت عدة مدن أوروبية كبرى. وقد تخللت هذه التحركات الميدانية المستمرة لأسابيع مواجهات واشتباكات وأعمال عنف ونهب وتخريب للممتلكات العامة والخاصة، امتدت نطاقاتها لتشمل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وألبانيا وصربيا.

وتشهد العواصم والمدن الأوروبية هذه الاضطرابات في توقيت بالغة الحساسية، حيث تستعد اقتصادات كبرى في الاتحاد الأوروبي لخوض استحقاقات انتخابية مفصلية، وسط تصاعد نفوذ أحزاب اليمين المتطرف، وتزامن الأحداث مع مرحلة حاسمة لملف الدعم الأوروبي لأوكرانيا والتوترات المستمرة مع روسيا التي تتهمها جهات أوروبية بشن هجمات هجينة ضد دول حلف الناتو. وفي السياق ذاته، استغل سياسيون من اليمين المتطرف حالة الفوضى للترويج لسياساتهم؛ إذ صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر منصته "تروث سوشيال" زاعماً أن المهاجرين سيطروا على فرنسا ومطالباً إياها والدول الأوروبية بإغلاق الحدود بشكل فوري لمواجهة الفوضى.

وعلى الساحة الفرنسية، أعلنت الحكومة فرض حظر جزئي للتجول في مناطق بباريس وعدة مدن أخرى للسيطرة على الاضطرابات، وذلك عقب 3 أسابيع من التظاهرات والاعتصامات التي بدأها طلاب المدارس الثانوية للمطالبة بتوفير الموارد ومواجهة نقص الكوادر وتدهور المباني في الأحياء منخفضة الدخل. وتوسعت الحركة الاحتجاجية بانضمام الاتحاد العام للعمل ونشطاء آخرين مع بدء عطلة الخريف لتشمل مطالب تتعلق بتكاليف المعيشة. ورغم المشاركة السلمية لمئات الآلاف، تخللت تظاهرات عطلة نهاية الأسبوع أعمال عنف خطيرة ونهب في باريس ومرسيليا وليون وبوردو، حيث أُضرمت النيران في بعض المدارس والتهمت مبنى بلدية ليموج التاريخي. وأسفرت المواجهات وتطايُر الزجاجات الحارقة وإطلاق الغاز المسيل للدموع عن توقيف نحو 2400 شخص وإصابة المئات، فيما أدان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعمال العنف متهماً عناصر من "اليسار المتطرف" بسعي لإسقاط الجمهورية وإشاعة الفوضى وتوعد بمحاسبة المتورطين.

وفي شبه الجزيرة الإيبيرية، بدأ معلمو المدارس في العاصمة الإسبانية مدريد إضراباً مفتوحاً للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل، بينما شهدت ساحة بويرتا ديل سول انتشارات واسعة لخيام المحتجين على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات، في تحرك انطلق إثر طرد مسنة ثمانينية تُدعى ماريكارمن من مسكنها ووفاتها لاحقاً. وامتدت المخيمات إلى مدن أخرى مثل برشلونة، فضلاً عن العاصمة البرتغالية لشبونة ومدينة بورتو. ورغم إقرار الحكومة الاشتراكية برئاسة بيدرو سانشيز إجراءات لتوفير مساكن بأسعار ميسورة، إلا أنها فشلت في تحصيل الدعم البرلماني، مما دفعه للدعوة لانتخابات مبكرة في نوفمبر، والدعوة لإضراب عام هو الأول منذ 14 عاماً، وسط فجوة واسعة بين الحد الأدنى للأجور البالغ 1221 يورو ومتوسط إيجار الشقق الذي يصل إلى 1130 يورو.

أما في إيطاليا، حشدت حركة "إيطاليا في الساحات" آلاف المتظاهرين للمطالبة بتحسين فرص العمل، الرعاية الصحية، والتعليم، ورفع الأجور، خاصة مع ارتفاع معدل التضخم إلى 4.2% متجاوزاً معدل منطقة اليورو. وتطورت المسيرات السلمية إلى أعمال شغب وعنف في تورينو وبولونيا وميلانو؛ حيث شهدت ميلانو اشتباكات مع الشرطة وعمليات نهب للمتاجر وإحراق للممتلكات، أسفرت عن توقيف 271 شخصاً معظمهم قاصرون وإصابة 14 عنصراً أمنياً، وتأسيس "حركة 17 أكتوبر" التي أعلنت تعبئة دائمة ومظاهرات أسبوعية.

وعلى صعيد شرق أوروبا والبلقان، تواصلت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في ألبانيا لأكثر من أسبوع في العاصمة تيرانا عقب انضمام طلاب المدارس والجامعات إلى حركة "فلامينجو" المطالبة باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما ومكافحة الفساد وحماية الخدمات العامة؛ وهي الحركة التي استمدت اسمها من احتجاحات على مشروع سياحي فاخر ارتبط بجاريد كوشنر صهر ترمب، في حين وصف راما المحتجين بالخضوع لتأثيرات وتطرف حركة "أنتيفا". وفي صربيا، يواصل الطلاب قيادة احتجاجات جماهيرية مناهضة للفساد مستمرة منذ عامين لتحدي مساعي الرئيس المستقيل ألكسندر فوتشيتش للعودة إلى السلطة كرئيس للوزراء عبر الانتخابات البرلمانية في 25 أكتوبر، وسط منافسة حادة مع حزب "قائمة الطلاب" ومخاوف من اندلاع أعمال عنف.