غزة - فلسطين اليوم
يعاني قطاع غزة من أزمات تتعلق بجميع مناحي الحياة سواء الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، ونتيجة هذه الأزمات يظهر الخلل جليًا في المؤسسات الرسمية الحكومية الأمر الذي يؤثر سلبًا على نوع الخدمة المقدمة للمواطن.
ومن بين هذه الأزمات ما يتعلق بنظارات "مراكز توقيف" حكومة غزة خاصةً في ظل ازدياد نزلاء هذه النظارات كنتيجة لظروف غزة الاقتصادية التي أنهت الحال بعدد كبير من المواطنين وصولًا إلى السجن على قضايا ذمم مالية لظروف تتعلق بأوضاعهم المالية بالإضافة إلى أسباب أخرى لا تقل أهمية تتعلق بالوضع المزري الذي يمر به القطاع.
وكشف التقرير عن وضع هذه النظارات وشهادات حية تتحدث عن الواقع هناك وهل تتوفر في هذه النظارات الشروط الإنسانية اللازمة؟ وما هو دور مؤسسات حقوق الإنسان في حال اتضح أن هناك خلل ما؟ وهل لضعف الإمكانيات دور في وجود الخلل أم لا؟
نزلاء يشتكون
يوضح محمد ربيع "34 عامًا" موقوف على ذمة مالية في أحد سجون حكومة غزة "حماس"، التي تدير القطاع منذ عام 2007 "تتعامل إدارة النظارة مع الموقوف على أنه شخص متهم وهناك فوقية واضحة في التعامل معنا كنزلاء حتى لو كانت قضيتك 30 شيقل وهناك ألفاظ نابية وأوامر بذيئة وعملية إذلال تتمثل في سحب ساعة اليد من الموقوف والهوية والجوال والحزام والسبب أنهم يريدون أن يشعروك أنك في صحراء".
وأضاف أن هذا التعامل يتم بشكل يومي ومع كل موقوف مع العلم أن النظارة هي ليست للسجناء بل للموقوفين والأصل ألا يتخطى وجود الموقوف في النظارة 48 ساعة كحد أعلى، هناك أشخاص في مراكز الشرطة يقضون 3 أعوام في النظارة، مثلا في شرطة الشاطئ هناك أشخاص في النظارة بينما هم محكومون منذ أعوام.
ينص القانون على أنه يجب أن يتحول الموقوف إلى السجن المركزي وهناك يقضي محكوميته.
ويشير محمد إلى أن هناك شكل ثاني من أشكال الفساد هناك ألا هو الواسطة والمحسوبية، ناهيك عن الألفاظ النابية، ومن الممكن أن يتم ضرب الموقوف ويقول "هناك أيضًا موضوع النظافة ابتداءً من الفراش والأغطية والوسائد والتي للأسف يتم غسلها مرة واحدة في العام بينما يوميًا يدخل النظارة عشرون شخصًا، وهذا كله ينقل المرض والعدوى كما أن الغرف ليس فيها تهوية والنوافذ عالية وضيقة ومغلقة بشبك خارجي حيث لا شمس ولا هواء"، و "الحمامات ليست نظيفة والمياه مالحة جدًا وغالبًا ما تكون مقطوعة مثلها مثل الكهرباء، لا يوجد صابون أو شامبو أو حتى مكنسة"، وفقاً لحديثه.
يذكر أن النظارة مساحتها 36 مترًا يكون داخلها من 30-40 شخص فالمتر لا يكفي للشخص الواحد.
ويشكو نزلاء آخرين من مشكلة أخرى تتواجد في النظارة ألا وهي اختلاط القضايا فالموقوف على ذمة مالية يسجن ويُحشر هناك مع الموقوف على قضية مخدرات أو قضايا أخلاقية.
يقول النزيل عماد بركة "اسم وهمي 26 عامًا"، "هناك لجنة من محافظة غزة تقوم بزيارات تفتيش على النظارات وتدون ملاحظات الموقوفين ولكنني أعتقد أنها بلا فائدة".
كما أن هناك ظلم في التعامل مع الاتصالات التي يضطر النزيل إلى إجرائها إذ أن سعر دقيقة الاتصال يصل إلى شيقل واحد بينما في الخارج السعر أقل بكثير فلماذا لا يسمح لي كموقوف استخدام موبايلي الخاص الذي تم سحبه مني خارج النظارة؟ والكانتين نفس الشي"، على حد قول بركة.
يكمل شكواه بالقول إذا كنت مصابًا وتحتاج طبيبًا فإنه يتم إرسالك إلى العيادة مكبل بواسطة رجال الشرطة.
وهناك شكوى أخرى تتعلق بأن الموقوف بعد فترة يتحول لنوع من الخدمة لدى إدارة النظارة طوعًا، وذلك كنوع من التفريغ عن الضغط الذي يعيشه النزيل في محاولة للخروج ولو لساعات قليلة من النظارة.
الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان تعلق
وفي تواصل مع الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في غزة يعلق الحقوقي محمد سمور، نحن نتحدث عن قصور يتأثر به حقوق النزلاء من جودة غرف النظارة والاكتظاظ وقلة التهوية وعدم كفاية الفراش وقلة النظافة فبعض النظارات تعاني من عدم وجود فورة "الفسحة".
ويضيف لا يمكن أن نتحدث عن الازدياد في عدد الانتهاكات بل يوجد هناك حاليًا رقابة على أوامر التوقيف والاحتجاز وضوابط أعلى في إحضار المتهمين، ولكن دعنا نتحدث عن نقص في الخدمات يؤدي إلى تأثر حقوق المحتجزين.
وفي رده على سؤال يتعلق بحدود حقوق النزيل يجيب سمور، تنطلق هذه الحدود من القاعدة القانونية التي تنص على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ،وحتى بعد الإدانة نصت التشريعات الوطنية والقانون الدولي لحقوق الإنسان على جملة من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها كل محتجز ونزيل وهي المعايير الدنيا لحقوق النزلاء.
هذا وتشتمل هذه الحقوق على عدم المس بالسلامة الجسدية وضرورة الحفاظ على الكرامة البشرية للنزيل، الاحتجاز في أماكن قابلة للحياة الأدمية وأن يكون له الفراش الخاص والاستحمام والنظافة والتهوية كافية داخل الغرفة وكذلك دخول الشمس، تمكين النزيل من التواصل الخارجي، الحق في التعلم والقراءة، ضرورة ممارسة الانشطة البدينة والرياضة الطعام الجيد والكافي، الفورة، تقديم الخدمات الصحية، توفير المواد الثقافية والتعليمة.
أما فيما يتعلق بدور الهيئة يؤكد سمور"الهيئة تقوم بالزيارات الدورية والشهرية إلى أماكن الاحتجاز كافة في قطاع غزة، التوصيات تتلخص في أن النظارات تحتاج إلى التطوير والتأهيل وإلى موازنات تشغيلية، زيادة الرقابة الحكومية على أماكن الاحتجاز، تأهيل العيادات الطبية وتوفير أطباء في كل نظارة وخصوصًا أننا نتحدث عن نظارات يحتجز فيها أعداد كبيرة تفوق طاقتها الاستيعابية وهناك بعض المحتجزين يقضون كل فترة الحكم في تلك النظارات الأمر الذي يجعل من هذه النظارات سجون غير مؤهلة".
كما أن الهيئة ووفقًا لحديث سمور تقوم الهيئة بتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية وفق استراتيجيتها المبنية على تطوير الأداء الحكومي، وتستهدف من خلال دورات تدريبية متخصصة لعناصر وأفراد الشرطة بكل أفرعها.
يشار إلى أن لدينا تقريباً في قطاع غزة 22 نظارة تتبع مراكز الشرطة وبالتالي تتبع مدير عام الشرطة مباشرة كما أن هناك 6 سجون في قطاع غزة أحداها خاص بالنساء وهي تتبع الإدارة العامة لمراكز الإصلاح والتأهيل ولدينا مركز توقيف واحتجاز يتبع لجهاز الأمن الداخلي.
الشرطة توضح
حول هذا الموضوع يعلق مدير عام الشرطة في غزة العقيد أيمن البطنيجي بقوله، "ما زلنا نراوح مكاننا للأسف في نفس المشكلة ألا وهي قلة الإمكانيات المتوفرة لدينا والتي بسببها غير قادرين على توسيع أو إعادة بناء وتهيئة الأماكن للنزلاء بشكل جيد فيما يتعلق بمراكز التوقيف ناهيك عن أنه لو اقتصر الأمر على الأشخاص الموقوفين بشكل قانوني فإنه لا يلزمنا سوى غرفة أو غرفتين في كل مركز".
وأضاف نحن نعاني من عدم وجود أماكن يتم فيها الاحتجاز تابعة للتأهيل والإصلاح أي تكون تابعة للسجون بشكل عام وهذا الأمر يربك الحالة الموجودة لدينا، وهنا نضطر إلى الاحتفاظ بعدد كبير من النزلاء في النظارات، وهو أمر خارج عن القانون لكننا مضطرين لذلك إذ أننا غير قادرين على توفير أماكن لهم في السجون".
وتابع لدينا نحو 1000 مسجون و1000 نزيل في النظارات وهو أمر غير قانوني فالمركز الواحد للشرطة يحوي أكثر من 100 موقوف، وفقًا لحديث البطنيجي.
أما فيما يتعلق بشكوى النزلاء حول تسعيرة الاتصال أو الكنتين يؤكد البطنيجي بأن الاتصال ممنوع وقت التوقيف أو أثناء التحقيق ولا يستخدم إلا لتبليغ الأهل عن مصير ابنهم ولكن استثناءً يتم السماح للنزيل أن يجري اتصالات كوننا نتقمص دور مسؤولية السجون في السماح للنزلاء بإجراء الاتصال أما بالنسبة للأسعار فعلى حد علمي هي نفس سعر السوق".
وينهي حديثه بالقول، "أتمنى ألا يكون هناك استغلال للنزلاء فيما يتعلق بأسعار الاتصال أو الكنتين وإلا فهناك مشكلة حقيقية وحينها يحق للنزيل بتقديم شكوى إلى المراقب العام للشرطة أو إلى مدير الشرطة.
يذكر أن السجن المركزي السرايا كان قد تعرض إلى قصف إسرائيلي عام 2008 وحتى الآن سجن خان يونس الكبير لم يتم تجهيزه بشكل كامل حتى يستوعب الأعداد الكبيرة من السجناء.
إذاً تبقى ظروف غزة وقلة الإمكانيات هي سيدة الموقف في هذا المقام وبالتالي يبقى المواطن في دوامة من المعاناة اليومية التي لا حل لها سوى بحل سياسي شامل يحل كل هذه الأزمات التي تزداد يوماً بعد يوم.