التدمير الذاتى
آخر تحديث GMT 00:33:01
 فلسطين اليوم -

التدمير الذاتى

 فلسطين اليوم -

التدمير الذاتى

عمرو الشوبكي

اعتاد العالم العربى أن يتحدث عن مؤامرات الآخرين لتدميرنا، وهو فى جانب صحيح، ولكنه يمثل نصف الحقيقة، لأن النصف الآخر نتحمله نحن بأفعالنا وبقدراتنا على تدمير أنفسنا سواء عن طريق نظم فاشلة ومستبدة أو خيارات سياسية كارثية أو حالة من الفوضى العبثية التى تفنن البعض فى ترويجها لتدمير أى إنجاز ولو محدود.

النظرة القاصرة هى التى تغوص فى نظريات المؤامرة ولا ترى إلا الخارج كمسؤول وحيد عن تدميرنا، وهى تساهم فى بقائنا على حالنا، لأن هذا قدرنا الذى خططت له مؤامرات المستعمرين، والوجه الآخر لنفس النظرة يتمثل فى نظريات جلد الذات التى ترى أن كل المصائب هى نتيجة الشعب الجاهل والثقافة البالية والحكام المستبدين.

المؤكد: نحن فى حاجة إلى امتلاك الجرأة فى الحديث عن مسؤوليتنا ومسؤولية الآخرين فيما أصابنا من تراجع، وأن هيمنة خطاب مسؤولية الآخرين ومؤامراتهم على الصراخ السياسى والإعلامى الآن، (وليس النقاش السياسى)، تجعلنا حريصين أكثر على الحديث عن مسؤوليتنا فيما أصابنا من تدهور، دون أن نلغى مسؤولية الآخرين وتآمرهم علينا.

والحقيقة أن أوضاعنا السيئة تطلب تشريحا نقديا حقيقيا لخطاب التدمير الذاتى الذى مارسه كثير منا سواء من النخبة أو من أهل الحكم، وشمل جوانب كثيرة، أولها تمثل فى إفشال الإنجازات، ولو على محدوديتها، فثورة يناير لم ينظر لها باعتبارها نقطة مضيئة فى تاريخ مصر الحديث كان يجب الاستفادة بالطاقات التى أطلقتها من أجل الإصلاح والتنمية والتقدم وليس من أجل الهدم والتخريب أو تفجير حملات التخوين والشتائم فى حق ملايين المصريين الذين شاركوا فيها.

كيف تحول وضع سياسى ملهم للبناء إلى طاقة سلبية جعلت قطاعا ليس بالقليل من المصريين يكره الثورة ويترحم على ما كان قبلها؟! المؤكد أن كل الأطراف مسؤولة عما آل إليه مسار البلاد بعد ثورة يناير سواء من القوى السياسية والثورية أو جماعة الإخوان المسلمين أو سلطة المجلس العسكرى، فجميعا وقعوا فى أخطاء جسيمة أدت فى النهاية إلى تحول كثير من الطاقات الإيجابية التى فجرتها يناير إلى طاقة سلبية للتدمير الذاتى.

والحقيقة أن ثورة يناير كانت تقول إن هناك طاقة ضغط جماهيرى قد فتحت لبدء مسار إصلاحى كانت له نتائج فورية أجهضت مشروع التوريث وأجبرت من بقى فى السلطة 30 عاما على الاستقالة، وأخرى مؤجلة تركت فى يد الفاعلين السياسيين ممن كانوا فى الحكم أو الشارع وأضاعوها معا.

البعض لم يهتم بنبض غالبية الشعب المصرى، وعاش فى «جيتو النشطاء» المغلق، وتصور أنه يخدم الثورة حين عيَّش مصر كلها على مدار أكثر من عام فى فعالياته الثورية التى حاصرت الأقسام ومديريات الأمن والوزارات السيادية، ونسى أو تناسى أن من تركوه يصول ويجول فى الشوارع والميادين والفضائيات المختلفة قد جعلوه مصدرا رئيسيا لخلق رأى عام غالب من المصريين رافض لممارساتهم، وينتظر بأى ثمن من يخلصهم من هذه الفوضى والاستباحة الثورية.

إن تحقيق هدف أقل من طموحات الجماهير يعنى أنك ستبقيها حاضرة معك فى معاركك من أجل الضغط على النظام القائم فى اتجاه إجراء مزيد من الإصلاحات، فى حين أن خطاب الفوضى المستمرة تحت اسم «الثورة الدائمة» يعنى عملياً أنك تفقد تعاطف أغلب الناس، سأماً من التظاهر اليومى والخوف من تفكك الدولة.

التدمير الذاتى لا يشمل فقط التشكيك فى كل احتجاج أو تحرك شعبى يقوم به الناس، فثوراته من 1919 مرورا بيوليو حتى يناير هى مؤامرات خارجية، إنما أيضا امتد ليشمل انتصارات الأمة: شعب ودولة، فى 1956 وأكتوبر 1973، من أجل إفقادك الثقة فى نفسك وفى قدراتك على القيام حتى بانتصارات مثل كل شعوب العالم والتركيز فقط على الهزائم والنكسات.

وامتد التدمير الذاتى إلى أداء كثير من القوى السياسية والحزبية، بعد أن دخلت فى خناقات جانبية وهامشية ليس فقط كما جرى، أمس الأول، أثناء مناقشة قانون الانتخابات، وفى حضور رئيس الوزراء، إنما نتيجة عجز القوى السياسية الرئيسية عن التوافق على برنامج عمل يضمن لها التنسيق فيما بينها من أجل توسيع المجال السياسى وضمان مشاركة أفضل للأحزاب.

حتماً «المكلمة» المكررة منذ عهد مبارك، والتى تقول إن فى مصر 90 حزبا، لا تتفق على شىء كمبرر لحصار العملية السياسية، هو من الأصل تصور قاصر ومنحاز، لأن فى مصر تقريبا 10 أحزاب وتيارات سياسية رئيسية فى اليمين واليسار والإسلاميين هى المطلوب أخذ رأيها فى قانون الانتخابات، وأيضا أن تتوافق على شكل العملية السياسية والانتخابية، وإذا فعلت ذلك فستغير كثيرا من المعادلات القائمة وستعيد الاعتبار للأحزاب والقوى السياسية، لأنها ستعى أن خلافها على الهوامش يدمر وجودها من الأساس، ويجعلها غير قادرة على المساهمة فى تشكيل المشهد السياسى الحالى.

التدمير الذاتى هو آفة متكررة فى تاريخنا وحياتنا السياسية والاجتماعية، وهى قد تأتى من القوى أو النظم المنوط بها البناء، فنكتشف أنها فى كثير من الأحيان لا تدمر فقط خصومها، إنما تدمر أنفسها، وربما تدمر معها طموحات وطن وأمة مازالت ترغب فى بناء نظام سياسى جديد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التدمير الذاتى التدمير الذاتى



GMT 16:02 2019 الثلاثاء ,10 كانون الأول / ديسمبر

اسرائيل من دون حكومة فاعلة

GMT 17:34 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

مع أمجد ناصر .. الــفَــنُّ متمكِّــناً

GMT 15:51 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

المساعدة العسكرية الأميركية للبنان عادت

GMT 15:23 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

لجان الكونغرس تدين دونالد ترامب

GMT 17:00 2019 الخميس ,05 كانون الأول / ديسمبر

العالم كله يدين الاحتلال الاسرائيلي

GMT 16:56 2019 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

ايران تحت حكم المرشد

GMT 18:32 2019 الأحد ,01 كانون الأول / ديسمبر

أخبار عربية وغربية - ٢

GMT 17:33 2019 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب مع المستوطنات ومع نتانياهو

دمجت بين الصيحة الكلاسيكية والشبابية في آن واحد

صيحات اتبعتها كارلي كلوس لترسم موضة جديدة خاصة بها

واشنطن ـ رولا عيسى
بات واضحاً أن موضة البدلات الرسمية خصوصاً التي تأتي مربعة بنقشات الكارو تعتبر آخر موضة ومن أجدد الصيحات المنتظرة هذا الموسم، واللافت تألق النجمة كارلي كلوس Karlie Kloss بأجمل قصات هذه البدلة المشرقة والتي اختارتها بأساليب شبابية ومتجددة.تألقت النجمة كارلي كلوس Karlie Kloss بصيحة جديدة حاولت اختيارها بأسلوب ساحر وملفت للنظر، فدمجت بين الصيحة الكلاسيكية والشبابية في آن معاً. والبارز تألقها بموضة البدلة الرسمية الساحر بأقمشة الكارو العريضة باللون الرمادي مع الخطوط البيج المستقيمة. واختارت البنطلون المستقيم والواسع الذي يظهر قامتها ونسّقته مع الجاكيت العصرية التي تأتي مترابطة بأقمشة الكارو أيضاً، بالاضافة الى الحزام العريض مع القماش المنسدل من الامام. واللافت في هذه الاطلالة، اختيار النجمة كارلي كلوس Karlie Kloss مع هذه البدلة الرسمية ا...المزيد

GMT 11:38 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مفاجأة جديدة خلال عرض فستان الأميرة ديانا الشهير للبيع
 فلسطين اليوم - مفاجأة جديدة خلال عرض فستان الأميرة ديانا الشهير للبيع

GMT 09:15 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

قائمة بأفضل الأماكن في تايلاند لقضاء رأس السنة 2020
 فلسطين اليوم - قائمة بأفضل الأماكن في تايلاند لقضاء رأس السنة 2020

GMT 11:30 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

أساليب وأفكار لتنسيق شجرة الكريسماس مع ديكور منزلكِ
 فلسطين اليوم - أساليب وأفكار لتنسيق شجرة الكريسماس مع ديكور منزلكِ

GMT 10:26 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فجر السعيد تواصل هجومها على أصالة وتصف جمهورها بـ"الشبيحة"
 فلسطين اليوم - فجر السعيد تواصل هجومها على أصالة وتصف جمهورها بـ"الشبيحة"

GMT 15:29 2019 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

محمد صلاح الهدّاف التاريخي لمواجهات بورنموث ضد ليفربول

GMT 19:27 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

استبعاد روسيا من مونديال قطر 2022 وأولمبياد طوكيو 2020

GMT 11:55 2019 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

بيع قميص أسطورة كرة القدم البرازيلي بيليه في مزاد علني

GMT 14:51 2019 الخميس ,05 كانون الأول / ديسمبر

عودة فابيو جونيور إلى الملاعب بعد غياب دام 7 أعوام

GMT 08:34 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

تشعر بالغضب لحصول التباس أو انفعال شديد

GMT 07:42 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

تحتاج إلى الانتهاء من العديد من الأمور اليوم

GMT 10:29 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

تكتشف اليوم خيوط مؤامرة تحاك ضدك في العمل

GMT 10:15 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

تحمل إليك الأيام المقبلة تأثيرات ثقيلة وسلبية تعاكس توجهاتك

GMT 07:57 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

إبقَ حذراً وانتبه فقد ترهق أعصابك أو تعيش بلبلة

GMT 01:44 2015 الأحد ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

المقرنصات عنصر مهم من الفن المعماري والزخرفي الإسلامي
 
palestinetoday

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday