الدولة الوطنية وصناعة النهوض
آخر تحديث GMT 02:08:58
 فلسطين اليوم -

الدولة الوطنية وصناعة النهوض

 فلسطين اليوم -

الدولة الوطنية وصناعة النهوض

بقلم : محمود الورواري

الدولة الحديثة في المفهوم العربي وفي الممارسة مرت بمرحلتين؛ الأولى يمكن أن نحددها منذ بداية الاستقلال في خمسينات القرن الماضي حتى عام 2011، هذه المرحلة كانت بمثابة اختبار للمصطلح والوعي والتطبيق، وفيها تأرجحت الدولة بين شكلها الغربي وتكوينها العربي مع بعض الاحتفاظ بآيدولوجيات متفاوتة. كان الخطر في هذه المرحلة يتأتى إما من الخارج مثلما حدث في الصراع العربي - الإسرائيلي وإما من الداخل كما تجلى في سطوة التنظيمات الإسلاموية كـ"الإخوان" أو تنامي بعض تيار العنف الديني أو العرقي، وعلى رغم ذلك كانت الدولة بما لها وعليها باقية ثابتة.

لكن في 2011 ومع موجة الربيع العربي الأولى في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية وحتى في موجته الثانية في 2018 في السودان والجزائر، تأكد للجميع أن هناك خطر وجودي حقيقي يهدد الدولة في العالم العربي، خطر يجعل بعض الدول موجودة أو غير موجودة.

وبالرجوع إلى الذين تعمقوا في دراسة الدول التي تعرضت للتفتت والهدم مثل اليمن أو سورية وليبيا تأكد للجميع أن هذه الدول كانت تحمل بين طياتها منذ استقلالها وتكوينها عوامل هدمها، فايروسات الفناء هذه كانت كامنة في بنيتها وقت تأسيسها، فاليمن ظهر فيه فايروس القبيلة فوق الدولة وانتهى بنا المطاف إلى ما نحن عليه اليوم، "قبيلة" في شكل ميلشيا الحوثي تخوض حربا ضد دولة كاملة الأهلية والشرعية حتى لو تآكلت مؤسساتها.

وفي سورية ضرب فايروس التمذهب والآيديولوجية الدينية كل شيء، فظهرت ورقة العلوية كأقلية مستقوية بولاية فقيه شيعية جاءت من طهران وحزب الله اللبناني.

وهكذا ليبيا التي تحولت إلى صراع زعامات ونفوذ قطري تركي لتسمين وتربية ميلشيات العنف الديني، لأن هذه الدولة لم تكن دولة راسخة تفككت وانهارت.

"الدولة الوطنية" غيابها علة المرض وحضورها وصفة العلاج.. من هنا أدخل إلى كتاب صدر حديثا حمل عنوان: "الدولة الوطنية صناعة النهوض" لواحد من رجالات العلم والتعليم في دولة الامارات العربية المتحدة الدكتور علي راشد النعيمي, وفيه يتجاوز الخوض المفصل في الأمراض، بل يقفز مباشرة إلى مخارج الحلول ، كما يظهر في كلمته على غلاف الكتاب الخلفي: "ما تحتاجه مجتمعاتنا هو ترسيخ الدولة الوطنية، دولة المواطنة، دولة التعاقد القانوني بين الإنسان والدولة، ليست دولة قوم أو عرق أو عنصر بشري متعال على الآخرين".

الكتاب الذي جاء في 175 صفحة من القطع السريع يتنقل برشاقة بين عناوين فرعية، إذا وضعتها متجاورة ستشكل رسما دقيقا لمكونات الدولة الوطنية بمعناها الدقيق، وفي الوقت نفسه تزيح عنها كل المسميات التي أحدثت خلطا مريضا أو ثغرات أدت إلى تفكيكها.

فهو في البداية يضع "الدولة الوطنية" في تجاور مع كل ما يمثل نقيضا لها، فيبدأ بالخلافة كشكل للحكم وكفكرة مؤدلجة يسعى أصحاب جماعات الإسلام السياسي إلى فرضها باعتبارها شرعا وشريعة كما تدعي جماعة "الاخوان" و"القاعدة" و"داعش" وغيرها، فلا فرق بين ما يعلنه أبو بكر البغدادي من على منبره وبين ما كتبه حسن البنا في رسائله أو كتبه سيد قطب في مؤلفاته. فالخلافة لم تكن شرعا ولا شريعة، بل شكل من أشكال الحكم وليد مرحلة مضت وانتهت.

ثم ينتقل إلى مطب آخر وقع فيه الفكر الإسلامي أحيانا ووقعت فيه الجاليات المسلمة التي تعيش في بلاد غير إسلامية أيضا، هو الفرق بين الأمة الإسلامية والدولة والوطنية؛ فالأمة لا تعدو أن تكون رابطة عاطفية معنوية، فالمسلمون أمة لكنهم يعيشون في دول عدة متفرقة في الصين وفي أميركا، شريطة ألا تتعارض انتماءاتهم الدينية مع انتماءاتهم الوطنية.

لم يتجاهل النعيمي في كتابه إظهار نقيض آخر لـ الدولة الوطنية هو "الطائفية"، أو كما أطلق عليها "الدولة الطائفية"، تلك الدولة التي هي أبشع من الدولة الدينية التي سقطت من حساب التاريخ، وهنا يشير إلى أنموذج الدولة الخمينية الإيرانية التي تأسست عام 1979، فهو يقول: "لقد كانت الدولة الخمينية ثاني دولة طائفية في القرن العشرين بعد قرار الأمم المتحدة رقم 181 بتقسيم فلسطين وقيام إسرائيل 1947"، فالدولة الطائفية الإيرانية تقر في دستورها أنها دولة شيعية، ليست شيعية فقط بل على المذهب الاثني عشر، وأن السيادة فيها لولاية الفقيه الذي ينوب عنه الإمام الغائب وليس للشعب كما في الدولة الوطنية. وتبعا لذلك يصبح المسلمون من غير المذهب الشيعي الاثني عشري ومن غير المسلمين مواطنين من الدرجة العاشرة، وهنا نكون أمام دولة تقوم على التمايز والتفرقة.

انطلاقا من تجربة شخصية عاشها المؤلف بالقرب من جماعة "الإخوان المسلمين" يخصص في كتابه فصلا كاملا بعنوان: "الإخوان الخطية الكبرى"، متنقلا بين عناوين فرعية بمثابة تشريح دقيق لما فعلته الجماعة داخل المجتمعات باعتبارها معول هدم قسم وفتت الدول كمؤسسات ودمر جينات الولاء عند المواطن، فخلق مواطنا "لا منتميا" على حد وصفه، مستدلا بما قاله مرشد جماعة "الإخوان" في مصر مهدي عاكف: "إن المسلم الماليزي أقرب إليّ من القبطي المصري".

تحطيم حصن الولاء هذا خلق مواطنا عربيا مسلما قابلا لأن يكون "مرتزقا" بيقين، بمعنى هو يقاتل في أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي سابقا ويقاتل في العراق ضد الأميركين أو في ليبيا أو في سورية، يقاتل على غير أرضه وفي معارك ليست معاركه لأنه تم تشويه معنى الوطن في ذهنه.

في المحصلة فإن كتاب "الدولة الوطنية صناعة النهوض" للدكتور علي النعيمي هو بمثابة أشعة مقطعية بالصبغة على جسد المجتمع العربي أظهرت جملة من الأمراض والشروخ والأورام تمثلت جميعها في معوقات ونواسف لتأسيس كيان ثابت يمكن أن نبني عليه مؤسسات تقدم للشعوب خدمات بعيدة عن التمايز والمحاصصة.. كيان وظلة اسمها "الدولة الوطنية".

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الدولة الوطنية وصناعة النهوض الدولة الوطنية وصناعة النهوض



GMT 20:37 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ترامب أسوأ من موظفيه في الادارة

GMT 20:23 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بعيداً عن أخبار خراب البيت

GMT 20:05 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

اسرائيل نتانياهو تريد ضم المستوطنات في ١/٧

GMT 19:26 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

العالم كله ضد اسرائيل باستثناء ترامب

GMT 09:38 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ما العمل؟ علاقة السلطة بالمنظمة

GMT 09:18 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الديناصورات وزمن "كورونا"

GMT 06:54 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حديث عن التطبيع

GMT 06:53 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

منظمة التحرير ليست مجرد منظمة

ظهرت بجاكيت من قماش التويد من تصميم "هيوغو بوس"

أجمل إطلالات ملكة إسبانيا أثناء فترة "الحجر المنزلي"

مدريد ـ فلسطين اليوم
تشتهر اطلالات الملكة ليتيزيا بالرقي والاناقة،  التي تخطف بها الأنظار في كل المناسبات التي تشارك فيها، وفيروس كورونا لم يمنع ملكة إسبانيا من أن تتألق بتصاميم كلاسيكية وعملية خلال نشاطاتها في الفترة الأخيرة خصوصاً مع بدء التخفيف من الإجراءات المشددة التي اتخذتها البلدان حول العالم وبدء عودة الحياة الى ما يشبه طبيعتها وبشكل تدريجيّ، وفيما يلي هي تعرض اجمل اطلالات الملكة ليتيزيا في فترة الحجر المنزلي. الملكة ليتيزيا تعشق تصميم البدلة التي تختارها في عدد من المناسبات. وفيما كانت تختار البدلة بالألوان مثل الأحمر والزهري، تميل في الفترة الأخيرة إنتقاء أزياء بدرجات ألوان كلاسيكية أكثر مثل الأسود والرمادي والأبيض. تألقت الملكة ليتيزيا ببدلة كلاسيكية من مجموعة Hugo Boss، كما خطفت الأنظار بعدد من تصاميم البلايزر، واحدة مثلاً بنقش...المزيد

GMT 06:01 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

صيحات جديدة من إكسسوارات "الصدف" الشبابية لصيف 2020
 فلسطين اليوم - صيحات جديدة من إكسسوارات "الصدف" الشبابية لصيف 2020

GMT 11:41 2020 الخميس ,06 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدّاً وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 14:01 2020 الخميس ,06 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 02:28 2017 الثلاثاء ,11 تموز / يوليو

Amira Riaa's Collection تُطلق أزياء للمحجبات على الشواطئ

GMT 05:26 2019 الإثنين ,22 إبريل / نيسان

إليكم مجموعة من الصور لأفضل 10 قبعات دلو للرجال

GMT 21:02 2018 الأحد ,23 كانون الأول / ديسمبر

حركات جسد زوجك تكشّف لكِ أنه ليس مرتاحًا في العلاقة

GMT 19:27 2018 الجمعة ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

أجيري يعلق على الحركة غير الأخلاقية بعد هدف تونس الأول

GMT 07:50 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

وحدات إضاءة يدوية باستخدام خيوط الكروشيه

GMT 16:54 2014 الأحد ,21 كانون الأول / ديسمبر

اختتام حملة أكتوبر للكشف المبكر عن سرطان الثدي

GMT 03:17 2016 الجمعة ,23 كانون الأول / ديسمبر

أحذية نايك تحتل قائمة الماركات الأعلى تزييفًا في العالم

GMT 01:46 2019 الثلاثاء ,30 إبريل / نيسان

تفاصيل أحداث مسلسل "الزوجة 18" للفنان حسن الرداد

GMT 14:11 2019 الثلاثاء ,29 كانون الثاني / يناير

أفكار ديكور مميزة لاختيار باركيه المنازل لموسم 2019

GMT 14:58 2019 الخميس ,17 كانون الثاني / يناير

تعرف على أسرار خطوط الحمار الوحشي البيضاء والسوداء
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday