مصر والنيل وسر الحضارة
آخر تحديث GMT 02:08:58
 فلسطين اليوم -

مصر والنيل وسر الحضارة

 فلسطين اليوم -

مصر والنيل وسر الحضارة

بقلم : إبراهيم الصياد

في القرن الخامس قبل الميلاد أطلق هيرودوت مقولة: "مصر هبة النيل". ويبدو أن الرجل كان متاثراً إلى حد كبير بالنهر العظيم، الذي أينعت على ضفتيه حضارة يرجع تاريخها إلى أكثر من ثمانية آلاف سنة. وربما السؤال، الذي يتبادر للذهن هل بناء هذه الحضارة مرتبط بجريان النيل قادما من مصر العليا جنوباً ليصب في البحر المتوسط شمالاً، بغض النظر عن مخاطر فيضه؟ أتصور أن هناك قوة محركة ساعدت على إطلاق طاقة إيجابية لقاطني هذه البقعة من العالم، بمعنى لولا وجود المصري القديم لما تم ترويض النيل. بعبارة آخرى إن العامل المحفز للإستفادة من النيل كانت إرادة الإنسان بالدرجة الأولى وليس النهر كما ادعى هيرودوت. وعندما نعيد قراءة كتاب "شخصية مصر" لجمال حمدان، نكتشف أنه أثبت عكس مقولة المؤرخ الاغريقي الذي غلَب العامل الجغرافي على أي اعتبارات أخرى، فجاء حمدان وربط استقرار المجتمع النهري بالإدارة الرشيدة، وتحدث عن السلطة المركزية التي تتحكم في توزيع مياه النيل لتحقيق العدل في ري الأراضي الزراعية وهي قوة إنسانية وليست منحة وهبتها الطبيعة. ومن هنا تبرز أهمية الإرادة الإنسانية المشار إليها، في مسألة البناء الحضاري؛ ليس من حيث الموجودات المادية فقط، ولكن أيضاً من حيث الموروث الثقافي والفكري. وهكذا يمكن القول إنه يعتبر العاملين المادي والفكري محورين مهمين في بناء الشخصية المصرية القديمة والحديثة على حد سواء.

وتؤكد ذلك خصائص الطابع القومي المصري على مدار قرون كثيرة، التي ميَّزت الشخصية المصرية بأربعة ملامح أساسية نوضحها في ما يلي: أولاً: التدين صفة أصيلة في الإنسان المصري، فهو كان دائم البحث عن خالقه سواء في مرحلة ما قبل الأديان السماوية أو بعد ميلاد السيد المسيح حتى ظهور الإسلام في القرن السادس الميلادي. ولهذا لم يكن غريباً تعانق الهلال والصليب في مصر، بخاصة في أشد المراحل التاريخية قسوة، لاسيما في فترة الاحتلال البريطاني. وخلال الستين عاماً الماضية تعرض عنصرا العرق المصري لتحديات جمة، وأثبتا قدرتهما على التوحد تحت مظلة الوطن الواحد، وفشلت كل محاولات زرع الفتنة بين المسلمين والمسحيين في مصر، وكان آخرها إبان العام الذي سيطرت فيه جماعة الاخوان المسلمين على سدة الحكم في مصر. ثانياً: التفاعل الايجابي مع السلطة السياسية والحكم، ودعم سياسات الحاكم بشرط أن يكون محض اختياره، ولهذا يختلف المواطن المصري عن غيره في أنه إذا اقتنع برؤية الحاكم فإنه يكون له سنداً يعينه على تحمل مسئوليات وتبعات الحكم. وهذا يفسر لماذا أيَّد المصريون إنجازات محمد علي باشا الذي ولاه أشراف القاهرة بارادتهم حكم مصر عام 1805، ولماذا التفوا حول جمال عبد الناصر في علاقة استثنائية عاشت حتى بعد وفاته، ولماذا تمرَّد المصريون على حكم الاخوان المسلمين، عندما فشلوا في تقديم انتمائهم الوطني على ولائهم لتنظيم الإخوان ولم يكتمل عامهم الوحيد في السلطة حتى قامت ثورة حزيران (يونيو) عام 2013 واقتلعتهم.

ثالثاً: يواجه المصري مشكلاته بالإبتسامة والسخرية ولهذا هو شعب يعشق النكتة، وكم من موقف تعرض له المصريون وترجموه إلى إبتسامه ساخرة ومهونة من وطأته، وأكثر الفترات ابتساماً كانت أكثرها إحباطا مثل هزيمة 1967، وراج كثير من النكات في فترة الإعداد لحرب 1973. رابعاً: يتمسك المصري بعاداته وتقاليده ويهتم بموروثه الاجتماعي، حتى ولو هاجر وعاش بعيداً عن وطنه، فهو لا يقبل بالاغتراب إلا مضطراً تحت ضغط ظروف إقتصادية على سبيل المثال، لكنه مهما تغرب يعود إلى وطنه. شكلت هذه الخصائص ملامح الشخصية المصرية عبر مراحل تاريخية مختلفة وساعدت على تكوين حافز القدرة على الإنجاز الحضاري الذي يحتاجه الإنسان لقهر تحديات الزمن والطبيعة، ما يجعلنا نؤكد أن قيام مصر الحديثة ما كان يمكن أن يتم إلا نتيجة قدرة المصري القديم، على انجاز الحضارة ببعديها المادي والفكري وليس وجود نهر النيل.

ولعل هذا هو ما توصل إليه عالم الجغرافيا سليمان حزين في كتابه "حضارة مصر أرض الكنانة"، من أن مصر هبة المصريين وليست هبة النيل. فاذا كان فضل النيل يرجع إلى تراكم وتكون التربة الزراعية على ضفتيه لكن إعدادها من قبل الفلاح المصري هو الذي صنع بيئة صالحة لقيام الحضارة الزراعية، ثم استدرار خيرها والحفاظ عليها وتنميتها على مر الزمن.

وكان عمل الإنسان المصري إشارة البدء لبناء الحضارة عندما نزل مع عصر الجفاف إلى وادي النيل، ما يعتبر نقطة تحول خطير في حياة أهل مصر حيث بدأ المصريون يقيمون أسباب الحياة المستقرة والحضارة الزراعية، وحلت الوحدة الإقليمية محل الوحدة القبلية ثم وحدوا الصعيد والدلتا، فظهرت للناس أول أمة وأول دولة قومية مركزية، مع فجر التاريخ المكتوب ولا تزال حتى يومنا هذا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مصر والنيل وسر الحضارة مصر والنيل وسر الحضارة



GMT 20:37 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ترامب أسوأ من موظفيه في الادارة

GMT 20:23 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بعيداً عن أخبار خراب البيت

GMT 20:05 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

اسرائيل نتانياهو تريد ضم المستوطنات في ١/٧

GMT 19:26 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

العالم كله ضد اسرائيل باستثناء ترامب

GMT 09:38 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ما العمل؟ علاقة السلطة بالمنظمة

GMT 09:18 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الديناصورات وزمن "كورونا"

GMT 06:54 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حديث عن التطبيع

GMT 06:53 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

منظمة التحرير ليست مجرد منظمة

ظهرت بجاكيت من قماش التويد من تصميم "هيوغو بوس"

أجمل إطلالات ملكة إسبانيا أثناء فترة "الحجر المنزلي"

مدريد ـ فلسطين اليوم
تشتهر اطلالات الملكة ليتيزيا بالرقي والاناقة،  التي تخطف بها الأنظار في كل المناسبات التي تشارك فيها، وفيروس كورونا لم يمنع ملكة إسبانيا من أن تتألق بتصاميم كلاسيكية وعملية خلال نشاطاتها في الفترة الأخيرة خصوصاً مع بدء التخفيف من الإجراءات المشددة التي اتخذتها البلدان حول العالم وبدء عودة الحياة الى ما يشبه طبيعتها وبشكل تدريجيّ، وفيما يلي هي تعرض اجمل اطلالات الملكة ليتيزيا في فترة الحجر المنزلي. الملكة ليتيزيا تعشق تصميم البدلة التي تختارها في عدد من المناسبات. وفيما كانت تختار البدلة بالألوان مثل الأحمر والزهري، تميل في الفترة الأخيرة إنتقاء أزياء بدرجات ألوان كلاسيكية أكثر مثل الأسود والرمادي والأبيض. تألقت الملكة ليتيزيا ببدلة كلاسيكية من مجموعة Hugo Boss، كما خطفت الأنظار بعدد من تصاميم البلايزر، واحدة مثلاً بنقش...المزيد

GMT 06:01 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

صيحات جديدة من إكسسوارات "الصدف" الشبابية لصيف 2020
 فلسطين اليوم - صيحات جديدة من إكسسوارات "الصدف" الشبابية لصيف 2020

GMT 11:41 2020 الخميس ,06 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدّاً وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 14:01 2020 الخميس ,06 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 02:28 2017 الثلاثاء ,11 تموز / يوليو

Amira Riaa's Collection تُطلق أزياء للمحجبات على الشواطئ

GMT 05:26 2019 الإثنين ,22 إبريل / نيسان

إليكم مجموعة من الصور لأفضل 10 قبعات دلو للرجال

GMT 21:02 2018 الأحد ,23 كانون الأول / ديسمبر

حركات جسد زوجك تكشّف لكِ أنه ليس مرتاحًا في العلاقة

GMT 19:27 2018 الجمعة ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

أجيري يعلق على الحركة غير الأخلاقية بعد هدف تونس الأول

GMT 07:50 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

وحدات إضاءة يدوية باستخدام خيوط الكروشيه

GMT 16:54 2014 الأحد ,21 كانون الأول / ديسمبر

اختتام حملة أكتوبر للكشف المبكر عن سرطان الثدي

GMT 03:17 2016 الجمعة ,23 كانون الأول / ديسمبر

أحذية نايك تحتل قائمة الماركات الأعلى تزييفًا في العالم

GMT 01:46 2019 الثلاثاء ,30 إبريل / نيسان

تفاصيل أحداث مسلسل "الزوجة 18" للفنان حسن الرداد

GMT 14:11 2019 الثلاثاء ,29 كانون الثاني / يناير

أفكار ديكور مميزة لاختيار باركيه المنازل لموسم 2019

GMT 14:58 2019 الخميس ,17 كانون الثاني / يناير

تعرف على أسرار خطوط الحمار الوحشي البيضاء والسوداء
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday