كي لا ننسى
آخر تحديث GMT 16:03:23
 فلسطين اليوم -

كي لا ننسى

 فلسطين اليوم -

كي لا ننسى

سما حسن
بقلم : سما حسن

خرج أبي رحمه الله من قريته مع عائلته في العام 1948 وكان يبلغ من العمر خمس سنوات، ولذلك فهو لا يذكر شيئا عن القرية وهي قرية حمامة، ولم يكن يتحدث عن قريته إلا بما كان يسمعه من والديه اللذين توفيا تباعا وبذلك فقد احتفظ أبي بما سمعه منهما، خاصة أن إخوته الكبار قد رحلوا عن غزة بعد أن استقروا فيها ما بين العام 1956 والعام 1967، وهما العامان اللذان شهدا حربين أثرتا على الوضع في غزة حيث استقر بها آلاف اللاجئين، وهكذا لم تبق ذاكرة لنا إلا ما سمعناه من أبي رحمه الله.

كنا نحن الأحفاد لجدي وجدتي نتلهف لنعرف أي خبر عن طبيعة الحياة في البلاد التي هجر منها الأجداد، والحياة قبل النكبة في فلسطين التي أصبحت محتلة، ولم نكن نعرف الكثير حتى عن عائلتنا ومن أي الأصول تنحدر حتى وقعت على صفحة على موقع فيس بوك اسمها «بلدة حمامة» وتعرفت إلى معلومات عن مسقط رأسي لم أكن أعرفها وقد بلغت من العمر اليوم ثمانية وأربعين عاماً.

بعد كل هذا العمر من الانتماء لعائلتي عرفت أصلها ومن أين جاء جدي الأكبر إلى فلسطين، وهذه المعلومات يجهلها بالطبع الكثيرون من أبناء العائلة، وربما يتوارد لخاطر البعض من أبناء هذا الجيل أن العائلة الفلسطينية أصلها فلسطين، في حين أن هناك عائلات قد قدمت إلى فلسطين وانصهرت بالنسب والمصاهرة مع عائلات أخرى وأصبح لها فروعها، ولذلك فالقضية هنا متشابكة ومتفرعة، والجهل بها يعني الجهل بتاريخ فلسطين، والسبب هو أننا ننسى، ولكي لا ننسى يجب أن نوثق كل شيء، ولا نؤجل شيئا للغد، لأن هناك أمراً يحدث ويتسبب بضياع ذاكرة فلسطين، هذا الشيء هو الموت.

لو كان أبي رحمه الله حيا لأصبح في ذكرى النكبة الثانية والسبعين في السابعة والسبعين من عمره، ولظل أبي يتذكر، ولكن أبي توفي منذ عامين وبضعة أشهر، ولذلك فقد ذهبت ذكرياته معه، وكنت أنوي في كل مرة التقي به أن أقوم بتسجيل لقاءات صوتية على هاتفي النقال لبعض الأحداث المهمة التي مرت به مثل وصوله سيراً على الأقدام من القاهرة إلى غزة أثناء حرب العام 1967، وحيث جاء سيراً على ساحل البحر وكاد يهلك عطشا ولم يكن يملك طعاما ولا شرابا، واستمر في المسير ستة أيام متتالية هربا من الحرب، فيما كانت الطائرات تحوم فوق رأسه.

هذه الحكاية التي كان يرويها أبي دائما وبأن «عمر الشقي بقي»، من الحكايات الكثيرة التي يجب أن توثق، وما التاريخ إلا حكايات صغيرة تم جمعها وأيدها التطابق، فحين تتطابق أكثر من رواية يكتب التاريخ، ولذلك فلم لا نكتب ونسجل قبل أن يأتي الموت على كل من ما زالوا على قيد الحياة من جيل النكبة.

فقد لاحظت أن كل عام يقل عدد من يلتقيهم الصحافيون من كبار السن الذين شهدوا النكبة، وأصبح العثور على أحدهم صعبا فالأكثرية أصبحت في عداد الموتى، والأحياء ربما أصابهم ضعف الذاكرة، ولذلك فقد فرحت حين التقى صحافي شاب نشط في غزة بسيدة مسنة ما زالت قادرة عن الحديث عن قريتها ومسقط رأسها قبل نكبة فلسطين.

لكي لا ننسى نحن بحاجة للتسجيل والتوثيق والكتابة، هذا الجيل الذي شهد النكبة بدأ يندثر ويقل، والأبناء والأحفاد ليس لديهم أي حماسة لسماع القصص والروايات فالحياة الحالية اشغلتهم، وقسوة الدنيا وظروفها لم تترك لهم متسعا لكي يسرحوا في خيالهم مع حكاية جدة كانت تخبز الطابون تحت شجرة الجميز في قرية ما بالقرب من مدينة المجدل، لن يهتم كثيراً ليسمع حكاية الجد الذي سافر بطفلته على الحمار من قريته «حمامة» إلى الطبيب الوحيد في مدينة المجدل لكي يعالجها من الحمى، ولن يتشوق ويتحمس لحكاية الضبع الخيالية ولا حكاية أبو حنا ولا حكاية أمنا الغولة التي كانت تنتظر على حدود القرى كل عائد من المدينة.

لكي لا ننسى يجب أن نسرع، يجب أن نحتفظ بالذاكرة المحكية، والموثقة من قصص ما زال أصحابها يذكرونها، فالحكايات المسجلة لها طعمها ونكهتها، ولا يمكن أن يملأ فراغها أي تقرير أو فيلم مصور، فالأسى والحنين بصوت الراوي هو أسرع وسيلة لمقاومة النسيان.

قد يهمك أيضا :    

  تحية للوزيرة

  قلبي لم يطمئن

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كي لا ننسى كي لا ننسى



GMT 06:10 2020 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

أميركا على خطى الاتحاد السوفياتي

GMT 06:04 2020 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

القائلون بـ«تجميد» السلطة و«تفعيل» المنظمة؟

GMT 04:04 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

عامُ الكُفْءِ، وعامُ الكَفِّ!

بدت كيت ميدلتون بفستان مستوحى مِن الستايل الإغريقي

إطلالات ملكية راقية مفعمة بالرقيّ بفستان السهرة مع الكاب

لندن ـ فلسطين اليوم
تبحث المرأة عن إطلالة ملكية راقية والخيار الأضمن لك هو اختيار تصميم تتألق به الملكات والأميرات حول العالم: الفستان مع الكاب. في كل مرّة تخترن هذا الفستان تنجحن بتوجيه الأنظار إليهنّ. الأمثلة في هذا المجال متعدّدة ومتنوعة وكلّها مفعمة بالرقيّ، وهي لا تناسب فقط الملكات بل ستكون مثالية للتألقي بها هذا الصيف. وقد أدخلت دور الأزياء العالمية الكاب إلى تصاميمها، فإما أتت متصلة بالفستان أو على شكل أكسسوار منفصل عنه. ويمنحك الكاب بالتأكيد لمسة من الدراما والرقيّ لإطلالتك. هذه الصيحة، كانت محور إطلالات الملكات والأميرات في مناسبات مختلفة. ميغان ماركل Meghan Markle نجحت في مناسبات عدة بأن تتألق بإمتياز بهذه الصيحة، من إطلالتها في المغرب بفستان من توقيع ديور Dior، إلى فستانين متشابهين من حيث التصميم من توقيع دار Safiyaa واحد باللون الأزرق والثا...المزيد

GMT 13:42 2020 الجمعة ,03 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 13:50 2020 الجمعة ,03 كانون الثاني / يناير

تتمتع بالنشاط والثقة الكافيين لإكمال مهامك بامتياز

GMT 10:00 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

تبدو مرهف الحس فتتأثر بمشاعر المحيطين بك

GMT 08:30 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"العقرب" في كانون الأول 2019

GMT 15:16 2018 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

قصة زوجة النبي أيوب عليه السلام من وحي القرآن الكريم

GMT 03:53 2017 الخميس ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

مراد حديود يؤكّد أن المنتخب المغربي غيّر المفاهيم

GMT 23:37 2015 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

أسعار سيارة كيا سيراتو 2016 في فلسطين

GMT 17:28 2018 الخميس ,05 تموز / يوليو

"ريال مدريد" يضم أودريوزولا بشكل رسمي

GMT 10:06 2016 الثلاثاء ,12 إبريل / نيسان

حافظي على شعرك ذو اللون الكستنائي

GMT 13:45 2019 الإثنين ,07 كانون الثاني / يناير

فنانات سرقن أزواج زميلاتهن بعد توقيعهم في "شِباك الحب"

GMT 03:06 2018 الجمعة ,28 كانون الأول / ديسمبر

هبة مجدي تكشف سبب قُبولها العمل مع مصطفى خاطر

GMT 07:08 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

أجمل ديكورات الجبس الحديثة لتعزيز أناقة منزلك

GMT 08:24 2018 الخميس ,07 حزيران / يونيو

أشكال رائعة لتصميم حديقة خارجية للمنزل "مذهلة"
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday