طروادة لا تغيب وإن غاب هوميروس
palestinetoday palestinetoday palestinetoday
palestinetoday
Al Rimial Street-Aljawhara Tower-6th Floor-Gaza-Palestine
palestine, palestine, palestine
آخر تحديث GMT 08:54:07
 فلسطين اليوم -

طروادة لا تغيب وإن غاب هوميروس

 فلسطين اليوم -

طروادة لا تغيب وإن غاب هوميروس

بقلم : عبد الرحمن شلقم

الحرب لا تغيب عن دنيا البشر، إلا لتعود بعنف وأسلحة تفوق سابقاتها. تتغير العقول وتتحرك الحدود. حفظ البشر في رؤوسهم تاريخ المعارك منذ آلاف السنين. أساطير قديمة صوّرت معارك، هناك من صدّقها، وتلهّى بها آخرون. قصة معركة طروادة زينتها قدم أخيل بشحنة تشويق طريفة، وما زالت تجد لها أماكن في الجامعات والأعمال الدرامية. لا يمكنني أن أنسى محاضرات البروفسور الكبير الدكتور عبد اللطيف أحمد علي، أستاذ التاريخ القديم بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وهو يتمايل ضاحكاً حينا، ومتجهماً أحياناً، ويتألق في سرد ملحمة طروادة. يصور تلك الملحمة بالصوت والحركة، حتى يجعلك تعيش في خضمها، أو أنت في حضرة هوميروس كاتب الإلياذة، يلقيها من فوق مسرح مهيب. معركة استمرت قرابة العشر سنوات، أشعلتها فتاة غاية في الجمال. الدكتور عبد اللطيف أحمد علي، يفكك من خلال الأسطورة نوازع العنف الكامنة في الذات البشرية. البروفسور الإيطالي ألساندرو باربيرو، أستاذ تاريخ العصور الوسطى، موسوعة تاريخية يتابع محاضراته التي يلقيها متنقلاً بين المدن الإيطالية، وتتابعها حشود كبيرة من الإيطاليين والإيطاليات. تشدّك سعة علمه، وموضوعيته الفائقة. في محاضرة طويلة عن أسطورة الإلياذة، تحدث عن صناعة هوميروس لتلك الأسطورة، بما فيها من أماكن وشخصيات، وغاص عبرها في النوازع العنيفة الكامنة في كينونة البشر. حاضر البروفسور باربيرو عن الحروب القديمة والحديثة. الحروب الصليبية كُتب وقيل عنها الكثير. هناك من تناولها باعتبارها حرباً دينية بحتة، وهناك من قال عنها إنها كانت من أجل إيقاف التوسع الإسلامي. البروفسور باربيرو قدّم تفاصيل تلك الحرب الطويلة، بمدّها وجزرها على الأرض، وأسماء قادتها من الطرفين، وتواريخ المواجهات. خلص إلى أن تلك الحرب كان محركها الحقيقي هو مشروع توسع استعماري أوروبي، وليس تحرير بيت المقدس المسيحي. البروفسور باربيرو يواصل هذه الأيام محاضراته في مدن وجامعات إيطالية مختلفة، ويكرر مؤكداً أن فلسطين هي أرض الفلسطينيين، وأن ما تشهده غزة من حرب إبادة هي حرب توسعية استعمارية. باربيرو يواصل محاضراته عن تاريخ الحروب، ويحلل دوافعها.

الحرب روافد صامتة تصبّ في نهر الحياة البشرية. تتعدد محركاتها وتتغير، لكنها لا تغيب ما بقيت الحياة. حروب أهلية تنشب بين أطراف شعب واحد، يتقاتل فيها الإخوة على حدود أراضيهم، أو على المياه والطعام في سنوات الجفاف والجوع. كلما تقدم البشر في العلم، وقفزت التقنية لتوفر أدوات الرفاهية، وكفت البشر عن عناء الجهد العضلي، كان السلاح هو التوأم الذي يسابق دون توقف ما يبدعه العقل البشري على مرّ السنين. القتال هو الكابوس الحاضر دائماً، والخوف من القريب والبعيد، ناقوس لا يغيب، وإن صمت. كتب المؤرخون عن المعارك الصغيرة والكبيرة، التي يكون البشر فيها طرائد يلاحقها الموت. الأدباء والمفكرون والفلاسفة، وكذلك القادة السياسيون، كتبوا عن الحروب. الروائي الروسي تولستوي، في روايته «الحرب والسلام»، التي تمحورت حول حرب نابليون بونابارت على روسيا، طاف في نوازع العنف الكامنة في النفس البشرية، ورسم كيمياء الدم القاتلة. تلك الحرب كانت تعبيراً عن مرحلة تاريخية، حرّكتها دوافع السيطرة والتوسع والهيمنة على الآخر. الثمن دائماً هو حياة الإنسان المهاجم والمدافع. الحرب العالمية الأولى، التي أطلق عليها في البداية الحرب العظمى، كانت الحرب التي خاضتها إمبراطوريات كبيرة بعضها ضد بعض. استخدمت فيها أسلحة لم تعرفها الحروب من قبل، مثل الطائرات والأسلحة الكيماوية. كان الضحايا بالملايين من جميع الأطراف المتحاربة. صُدم الجميع المنتصرون والمنهزمون، بحجم الموت والدمار. تغيرت الخرائط وذابت كيانات قديمة، وقامت دول جديدة. في مؤتمر فرساي، واجه ساسة العالم أنفسهم، وفي عقولهم صدى طلقات البنادق والمدافع، وأمام أعينهم أنهار الدماء، وإن لم تغب في ذلك الاجتماع العالمي الكبير الأطماع والمصالح حتى نزعات الانتقام. لتكن تلك الحرب العظمى التي قُتل فيها الملايين من البشر هي الحرب الكبرى الأخيرة فوق الأرض. ومن أجل تحقيق هذا الهدف الكبير، تحرك القادة السياسيون نحو إنشاء جسم سياسي عالمي، يكرس السلام ويعمل على حلّ المشاكل بين الدول سلميا، فكان الاتفاق على تأسيس ما سُمي بعصبة الأمم. في أعماق بحر الدم الذي تدفق في الحرب الكبرى الأولى، تجمعت رواسب متفجرات حية، انفجرت في حرب عالمية ثانية أكبر من سابقتها. كان ضحاياها أكثر ودمارها أوسع، وغيّرت وجه الكرة الأرضية بشكل غير مسبوق. مذكرات القادة السياسيين والعسكريين، والأعمال الأدبية، التي تناولت يوميات تلك الحرب، وما كتبه المؤرخون، كشف وحشية الدوافع العنيفة الكامنة في ذوات البشر. النار والدم والقتل هي نتاج الحروب، التي تولد في الرؤوس أولاً، كما جاء في مقدمة ميثاق الأمم المتحدة. ماذا كان سيكتب هوميروس لو شهد حروب زمننا؟ طروادة لا تغيب، وإن غاب هوميروس.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

طروادة لا تغيب وإن غاب هوميروس طروادة لا تغيب وإن غاب هوميروس



GMT 08:02 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

غزة امتحان لترامب

GMT 07:59 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

قلّة عددهم

GMT 07:56 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

«الهلالُ» الذي «صبّح» إنجلترا

GMT 07:55 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

«ألغام» في طريق هدنة غزة

GMT 07:53 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

مجتمع دير المدينة

GMT 07:51 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

الغباء البشري

أفكار تنسيقات العيد مع الأحذية والحقائب مستوحاة من النجمات

القاهرة ـ فلسطين اليوم
مع اقتراب العيد، تبدأ رحلتنا في اختيار الإطلالة المثالية التي تجمع بين الأناقة والأنوثة، وتعد الأكسسوارات من أهم التفاصيل التي تصنع فرقاً كبيراً في الإطلالة، وخاصةً الحقيبة والحذاء، فهما لا يكملان اللوك فحسب، بل يعكسان ذوقك وشخصيتك أيضاً، ويمكن أن يساعدا في تغيير اللوك بالكامل، وإضافة لمسة حيوية للأزياء الناعمة، ولأن النجمات يعتبرن مصدر إلهام لأحدث صيحات الموضة، جمعنا لكِ إطلالات مميزة لهن، يمكنكِ استلهام أفكار تنسيقات العيد منها، سواء في الإطلالات النهارية اليومية، أو حتى المساء والمناسبات. تنسيق الأكسسوارات مع فستان أصفر على طريقة نسرين طافش مع حلول موسم الصيف، تبدأ نسرين طافش في اعتماد الإطلالات المفعمة بالحيوية، حيث تختار فساتين ذات ألوان مشرقة وجذابة تتناسب مع أجواء هذا الموسم، وفي واحدة من أحدث إطلالاتها، اختا...المزيد

GMT 01:25 2025 الإثنين ,02 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجوزاء الإثنين 02 يونيو / حزيران 2025

GMT 09:55 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

يزعجك أشخاص لا يفون بوعودهم

GMT 22:53 2020 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

دي إس تستحدث موديلات كهربائية من "DS3" و"DS7"

GMT 01:17 2014 الجمعة ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مذكرة تفاهم بين LIU وجامعات السوربون في فرنسا

GMT 01:52 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد خالد صالح ينفي تعاقده على مسلسل"فكرة بمليون جنيه"

GMT 10:16 2018 الخميس ,21 حزيران / يونيو

10 صفات للمرأة الواثقة من نفسها تعرَّف عليها

GMT 11:01 2017 الإثنين ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مدينة بريدا الهولندية مقصد السيّاح من مختلف أنحاء العالم

GMT 17:18 2017 الإثنين ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

زوجان باكستانيان يكشفان حقيقة صادمة بعد 24 عامًا من الزواج

GMT 10:38 2015 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نادي الفروسية في الرياض يقيم حفل سباقه الـ 20
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday