التفوّق السينمائي والإحراجات الفلسفية
آخر تحديث GMT 08:54:07
 فلسطين اليوم -

التفوّق السينمائي والإحراجات الفلسفية

 فلسطين اليوم -

التفوّق السينمائي والإحراجات الفلسفية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لطالما أحرجت السينما المجالات العلميّة بسبب حيويتها العالية وتطوّرها المخيف. لقد أثرت على علاقات العلوم بعضها ببعض من العلوم الطبيعية، إلى النظرية، بل غذّت بعض المفاهيم الفلسفية؛ كما أثّرت النظرية الفلسفية على المشهدية السينمائية؛ وهذا لبّ النقاش هنا.

شرحتُ في كتاب: «أعلامٌ من الطراز الرفيع»، كيف أن الصورة تربتُ على كتف المشاهد بسطوعها. فعبر وميض الفيلم، تُسيّل الشخصيات، وتُنحت وتصاغ البطولات، وتُشعَل نيران العواطف، وترمي الصور شرر أيقوناتٍ، وتمرّ المعاني عبر الثيمات والعلامات.

إن الصورة السينمائية سطح ممهّد لأنواع المسرحة والركض، بها يصنع الوهم الجميل، ويشيّد الواقع بقبحه وجماله، تجيء السينما لتكون أخصّ من الصورة بزمانيتها ومكانيتها، لتكون الفضاء الكاسر للحدّ التعريفي وللحدود المكانية.

نعم؛ تشتغل السينما على اللحظة، والومضة، والسمة، وهي شغّالة على الجزء من بين الكل، وربما صنعت ثيمة شاملة ضمن مشروعٍ إخراجي، أو تركيز بصري، كما في التركيز على «اليد» في أفلام روبير بريسون، وهي موضع محاضرة للفيلسوف الفرنسي جيل دلوز؛ حيث يستطرد حول موضوع «اليد في سينما بريسون».

يقول دلوز في محاضرته: «إن السينما تحتوي على الكثير من أشكال الفلسفة، غير أن المسافة عند بريسون تعدُّ شكلاً مميزاً من أشكال المسافة، وتم تجديدها واستخدامها مرة أخرى وبطرقٍ إبداعية من قبل مبدعين آخرين، ولكنني أعتقد أن بريسون كان من أوائل مَن صنعوا المسافة من خلال قطعٍ صغيرة غير متصلة فيما بينها، بمعنى أنها قطع صغيرة لم يتم تحديد اتصالها بشكلٍ محدد سلفاً».

ومما جدَّد هذا التفاعل والنقاش ما كتبه الأستاذ خالد الغنامي قبل أيامٍ بهذه الجريدة بمقالةٍ مهمة بعنوان: «هل للسينما أن تتفلسف؟».

بيت القصيد في مقالته قوله إن «ثمة اعتراضاً مفاده أن السينما مشغولة بالخيال بينما تُعنى الفلسفة بالحقائق الكونية. فكيف يُمكن للفيلم، وهو غارق في التفاصيل، أن يكون له أي علاقة بالفلسفة؟ هذا الاعتراض قُلب فوراً رأساً على عقب عندما وجدنا أن السرديات الخيالية يُمكن العثور عليها بسهولة في النصوص الفلسفية نفسها، المشبعة بالميتافيزيقا. قصة كهف أفلاطون هي في حد ذاتها تجربة فكرية، سرد يجسد صورة وسيناريو لا يُنسيان، مصممين لإثارة أسئلة عامة حول دور التجربة الحسية، وطبيعة المعرفة، وطبيعة التنوير الفلسفي نفسه. من المفارقات لجوء أفلاطون إلى (سرد) يجسد صورة لا تُنسى، من أجل القول إن الصور ليس لها مكان في الخطاب الفلسفي! وحقّاً، هو يستخدم سرداً يُساعد في إنشاء سرد أكبر يُنظر فيه إلى الفلسفة نفسها على أنها تنشأ من خلال رفض السرد لصالح خطاب عقلاني مكرّس للحقائق الكلية».

من هنا أعلّق بتمييز آخر: إن السينما يمكنها أن تبدي أشكالاً من التفلسف، ولكن من المستحيل أن تكون مجالاً فلسفياً بالمعنيين الحيويّ والنظري.

السينما يمكنها أن تتضمن تمثّلات بصرية متفوّقة، متجاوبة مع الفلسفة والطبيعة والكشوفات الحديثة، بل حتى مع مجالات السياسة والطبابة، ولكن من دون أن تكون ضمن النظرية الصلبة لتلك العلوم.

إن تأثر السينما بالفلسفة واقعٌ وماثل، وآية ذلك أن المفهوم لدى الفلاسفة يمكنه أن يتجسّد بشخصية معيّنة، بل ربما يظهر هذا التمثّل أكثر حيويّةً من المفهوم الفلسفي المشروح بالمتون العتيدة.

الخلاصة؛ أن السؤال عن قدرة السينما على التفلسف أفسّره بهذه الصيغة: هل تأثر الفلاسفة في نظرياتهم بالصورة وبالسينما؟! الإجابة نعم. وهل تأثر عباقرة الإخراج والتمثيل بالفلسفة؟! الإجابة أيضاً نعم.

وعليه، فإن تركيز جيل دلوز مثلاً في شرحه للسينما والصورة والفلسفة يعني أن ثمة سطحاً متشابكاً بين هذين المجالين، ولكن بطريقة ضمن أشكالٍ مبهرةٍ، لا ضمن مفاهيم فلسفية صارمة.

إن موضوع تفوّق السينما يأتي من صورٍ وتخيّلات، كثير منها يستحيل أن نراها في وجودنا، ولكنها بالتأكيد تتجاوب مع مخيّلتنا.

لا يمكننا أن نعدّ السينما ضمن المجال الفلسفي، ولكن لا يمكن للسينما الاستغناء عن فضاءات الفلسفة والعلوم الحيّة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التفوّق السينمائي والإحراجات الفلسفية التفوّق السينمائي والإحراجات الفلسفية



GMT 08:02 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

غزة امتحان لترامب

GMT 07:59 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

قلّة عددهم

GMT 07:56 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

«الهلالُ» الذي «صبّح» إنجلترا

GMT 07:55 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

«ألغام» في طريق هدنة غزة

GMT 07:53 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

مجتمع دير المدينة

GMT 07:51 2025 الخميس ,03 تموز / يوليو

الغباء البشري

أفكار تنسيقات العيد مع الأحذية والحقائب مستوحاة من النجمات

القاهرة ـ فلسطين اليوم
مع اقتراب العيد، تبدأ رحلتنا في اختيار الإطلالة المثالية التي تجمع بين الأناقة والأنوثة، وتعد الأكسسوارات من أهم التفاصيل التي تصنع فرقاً كبيراً في الإطلالة، وخاصةً الحقيبة والحذاء، فهما لا يكملان اللوك فحسب، بل يعكسان ذوقك وشخصيتك أيضاً، ويمكن أن يساعدا في تغيير اللوك بالكامل، وإضافة لمسة حيوية للأزياء الناعمة، ولأن النجمات يعتبرن مصدر إلهام لأحدث صيحات الموضة، جمعنا لكِ إطلالات مميزة لهن، يمكنكِ استلهام أفكار تنسيقات العيد منها، سواء في الإطلالات النهارية اليومية، أو حتى المساء والمناسبات. تنسيق الأكسسوارات مع فستان أصفر على طريقة نسرين طافش مع حلول موسم الصيف، تبدأ نسرين طافش في اعتماد الإطلالات المفعمة بالحيوية، حيث تختار فساتين ذات ألوان مشرقة وجذابة تتناسب مع أجواء هذا الموسم، وفي واحدة من أحدث إطلالاتها، اختا...المزيد

GMT 07:51 2025 الإثنين ,02 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الميزان 02 يونيو / حزيران 2025

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 15:10 2016 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

مقتل مغامر فرنسي سقط من ارتفاع 100 قدم

GMT 11:56 2019 السبت ,13 تموز / يوليو

كبرى الشركات في قطر تُعلن عن وظائف شاغرة

GMT 11:05 2018 الأحد ,15 إبريل / نيسان

أجمل التصاميم والديكورات لكوشات أعراس 2018

GMT 03:01 2015 الجمعة ,04 كانون الأول / ديسمبر

ميشيل كيفان تخطف الأنظار بفستان مطرز وتاج من الألماس

GMT 16:50 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

أجواء باردة نسبيًا السبت والأحد ومنخفض جوي من الثلاثاء
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday