كتاب المراثي فهد العبيدي
آخر تحديث GMT 04:53:15
 فلسطين اليوم -

كتاب المراثي فهد العبيدي

 فلسطين اليوم -

كتاب المراثي فهد العبيدي

حسن البطل

أعرف "فهد" كيف قاتل. كيف مات.. وكيف تزوج لكن قناطر وأنفاق وفضاءات سمر بين هذه الأركان قد تختصر (أو لا تختصر) إحدى أكثر الشخصيات الحميمة غنى وتعقيداً. إنه البدوي (من حيث الشهامة) والشيوعي جلداً وعظماً (وحكماً بالقلب والعقل) .
هكذا تزوج فهد: بعد جفوة باعدتنا عن سهرات السمر، لأنني سبقته إلى "زيجة حرب". صادفته وزوجتي على باب سينما كليمنصو ببيروت الغربية. قال: هذه زوجتي. قالت زوجته: هل تعرف فهد؟ أومأت. قالت: إذاً تعرفني!. ستقولون هذا برتوكول رفاقي في زمن الحرب يليق بمذكرات نيرودا.. ثم ماذا؟ حملنا عروسه وركضنا بها خمسين متراً. ذراعاها على منكبينا ويدانا على خصرها النحيل.
هكذا قاتل فهد: هو الذي يكتب مقالته ببطء (ويطبخ المقلوبة ببطء) يطلق الرصاص بغزارة (ذات ليلة أطلقنا في الهواء من بندقيته الكلاشن صليتين كاملتين لمخزنين كاملين) .
لماذا في الهواء؟ لأن المقاتل الشيوعي فيه غضب غضبة يدوية - مضرية. كنا في جلسة ندم وسمر ومقلوبة وسهر مديد مع بعض رفاقه في "فصيل الأنصار"، عندما لعلع الرصاص الغزير في سماء بيروت الغربية.. بل تحت نافذة البيت، قرب مستديرة مسجد جمال عبد الناصر (مستديرة أبو شاكر، نسبة لكنية ابراهيم قليلات، قائد تنظيم "المرابطون" الناصري السني) .
تواً، قال فهد للرفاق: لعل الجيش هجم .. تمنطق جعبته وحمل بندقيته، وذهب إلى المعركة.. ثم عاد حانقاً مغضباً. كان كل هذا الرصاص في الهواء احتفالاً ببدء السنة الهجرية. نظر إليَّ نظرة كسيفة، وإلى بندقية ساخنة السبطانة نظرة اعتذار. قال: لقد أهنّا كرامة السلاح. صليتان رشاً لمخزنين كاملين تستوجبان تنظيف السلاح.. وباشر الفك والتنظيف!
هكذا مات فهد: مات احتضاراً بطيئاً في مضارب قبيلته - فخده - عشيرته الأردنية.. بعد سنوات من خروج بيروت وطرابلس. أحد من رفاق الفصيل ومن زملاء العمل لم يحضر وفاته. قال وصيته لكبار العائلة: البنتان تبقيان مع أمهما اللبنانية الشيوعية. أولادي لأمهم وليسوا لكم.
إضافة إلى زواج فهد: حاك لي مع رفاقه في الفصيل مقلباً لن أنساه. نهاني عن الزواج. قال: الوقت وقت موت أو وقت جندية مطلقة في الإعلام، أما أنا فوضعت خاتم الخطيبة في كأسي وارتشفت وقلت: ادفعوا الموت بالحب. ثم، أين الخاتم يا رفاق؟ صار في جوفك.. قالوا.. لكنه، بعد أن حملنا عروسه وركضنا، قبلني وناولني الخاتم.
إضافة إلى فهد المقاتل: شيوعيون أردنيون، وعراقيون؛ سوريون وفلسطينيون تمركزوا في قصر مهجور في منطقة مصيف بحمدون، لصد التدخل السوري العام 6791، ثم تمركزوا جوار بلدة برمّانا أو حمّانا (لا أذكر!). صارت شقة فهد في بيروت قاعدة لوجستية وقت الاجازات.
ماذا في روايات الحب والحرب؟ سأضيف قصة: أحد الرفاق وكان عراقياً، تهيأ للقاء حبيبته صباحاً بحمام ساخن ليلي. فجأة ورد أمر هاتفي: سقط رفيق وعلى الرفيق هذا أن يأخذ مكانه في الغداة.. وفي غداة الغداة بكى رفيق رفيقه العاشق بكاء كعويل النساء. فهد البدوي زجره.. ثم وضع المسدس في صدغه: اسكت.. وتماسك يا رفيق.. يا رجل!
هكذا انهار فهد: لم يجد جواباً شافياً لدى قيادة الحزب. كان سؤاله: لماذا قررتم انخراط الرفاق في الحرب الأهلية كفصيل جديد في المنظمة.. ثم لماذا قررتم حل الفصيل؟ لسنا من جعلها حرب طوائف.. وهل ذهب رفاقي سدى؟
عاد هائجاً الى بيته لينهي حياته ببندقيته، لكن زوجته كانت قالت لي: "تعرف فهد؟.. إذن، تعرفني" كانت خبأت المخزن (ربما لأن طفلته الاولى كثيرة اللهو). تواً، ذهب الى المطبخ و "بعط" بطنه بضربة سكين. في المستشفى حيث تعافى قال حكمته الثانية: "لقد أهنت الموت".. وكأنه قال: "الحزب أهان موت الرفاق"!
هكذا اختلفنا: بعد اتفاق خروج الفدائيين من بيروت، قال فهد: خسرنا فرصة أن تكون بطولة بيروت كبطولة ستالينغراد! قلت: لكنهم سيدمرون مدينة ليست لنا؟ قال: ليست لديهم ذخيرة كافية لتسوية المدينة بالأرض.
مع هذه النبرة صدقت اعتذاره السابق، لأنه في قبرص احتضنني وقبلني وبكى.. وقال: كدت أقتلك ببيروت فعلاً. كيف؟ هو الشيوعي كان مع الثورة الاسلامية الايرانية، وأنا كنت ضدها. احتد النقاش.. فمدّ يده إلى مسدسه الذي كان قد سقط بفعل جلسة استرخاء على الأريكة.. الرفاق هبوا وأمسكوا به، وأبعدوا المسدس عن متناوله!
هكذا رأيته آخر مرة: استدعوني خارج مكاتبنا بنيقوسيا. كان هو على الباب. هو سيطبخ مقلوبة في بيتي كما في بيروت، هو قال: عيب يا حسن أن تقول عن "الانتفاضة" انها "انشقاق". لم آت اليكم لأعمل معكم.. جئت لأراك فقط. آنذاك، كان زملاء في المجلة يذهبون بحراً وتسللاً الى طرابلس لبنان.
اختلفنا على "الخروج" وعلى الدخول، وبينهما كانت صداقة غريبة في زمن عجيب. كان بدوياً شهماً وشيوعياً صلباً.. مع حزب أو بدونه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كتاب المراثي فهد العبيدي كتاب المراثي فهد العبيدي



GMT 21:38 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

سيمافور المحطة!

GMT 21:36 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

يراها فاروق حسنى

GMT 21:34 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

«بكين» هل تنهي نزاع 40 عاماً؟ (2)

GMT 21:32 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

ماذا حل بالثمانيتين معاً؟

GMT 21:30 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

الشرق الأوسط والموعد الصيني

GMT 14:39 2023 الخميس ,09 آذار/ مارس

007 بالمؤنث

GMT 14:37 2023 الخميس ,09 آذار/ مارس

هل هي نهاية الخلاف السعودي ـ الأميركي؟

هيفاء وهبي تتألّق بفستان مرصع بالكريستال

القاهرة - فلسطين اليوم
هيفاء وهبي خطفت الأنظار بالتزامن مع احتفالها بعيد ميلادها بأناقتها ورشاقتها التي ظهرت بها خلال حفلها الأخير الذي أحيته في قطر، حيث أبهرت النجمة اللبنانية جمهورها على المسرح بطلتها اللامعة بفستان مرصع بالكامل بحبات الكريستال، وبهذه الإطلالة تعود هيفاء وهبي لستايل الفساتين المجسمة التي تتباهي من خلالها بجمال قوامها وهو التصميم الذي كانت تفضله كثيرا أيقونة الموضة، وذلك بعد اعتمادها بشكل كبير على صيحة الجمبسوت التي أطلت بها في معظم حفلاتها السابقة. هيفاء وهبي سحرت عشاقها في أحدث ظهور لها على المسرح خلال حفلها الأخير بقطر بإطلالة جذابة بتوقيع نيكولا جبران، حيث اعتمدت أيقونة الموضة مجددا التصميم المحدد للقوام مع الخصر الذي يبرز بقصته الضيقة مع الحزام جمال قوامها، حيث تمايلت هيفاء وهبي على المسرح بأسلوبها الأنثوي المعتاد بف...المزيد

GMT 10:29 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

تكتشف اليوم خيوط مؤامرة تحاك ضدك في العمل

GMT 23:37 2018 الأربعاء ,25 تموز / يوليو

اهتمامات الصحف البريطانية الصادرة الأربعاء

GMT 10:04 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

أسطورة ليفربول يدافع عن محمد صلاح

GMT 09:44 2017 الأربعاء ,13 كانون الأول / ديسمبر

قلعة "سيسينغورست" تكشف عن قصة حب غير تقليلدية

GMT 11:40 2017 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

باسل خياط ينشر صورًا برفقة زوجته تكشف استمتاعهما بوقتهما

GMT 05:24 2016 الثلاثاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

نجيبكِ على أهم أسئلة الموضة الشائعة على "غوغل"

GMT 06:56 2016 الإثنين ,12 كانون الأول / ديسمبر

خبير يؤكّد تضرّر مستوى البحث العلمي الرياضي

GMT 01:53 2017 السبت ,07 كانون الثاني / يناير

عادل إمام يوضح أن وجود الشباب في أعماله يسعده
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday