stateless
آخر تحديث GMT 13:02:09
 فلسطين اليوم -

Stateless

 فلسطين اليوم -

stateless

د. عاطف ابو سيف

ذهبت بعد وصولي بيومين إلى لندن للتسجيل لدي مركز الشرطة وفق الأصول المعمول بها. الشرطية تناولت جواز سفري والأوراق المطلوبة التي أحضرتها معي وبدأت اجراءات تسجيلي حتى تمنحني الورقة التي تجعل مكوثي قانونياً. فجأة قامت من خلف مكتبها معتذرة لتسأل شخصاً أعلى منها عن امر ما. عادت بعد ذلك لتقول لي بعد عشرات كلمات الاعتذار والرجاء بأن لا أفهم خطأ بأنها ستكتب في خانة الجنسية كلمة بلا دولة « Stateless « لأن فلسطين ليست دولة ولا يوجد شيء في خانات الجنسية اسمه فلسطيني. اشرت إلى مجمل الأوراق التي أمامها وقلت إن فلسطين موجودة في خانة الأماكن التي يفد منها المسافر مثل بقية الدول. قالت : هذه أماكن الوصول وليست قائمة الدول. وأخذت تشرح بكثير من الاعتذار أن الأمر ليس ذنبها و أن هذا لا يعتبر موقفها الشخصي بل هي متابعة للقضية الفلسطينية ومتعاطفة وحزنت كثيراً خلال العدوان الاخير على غزة. بل إنها أسهبت بإثبات مواقفها المؤيدة بالقول إنها تعرف أن البرلمان البريطاني أوصي الحكومة بضرورة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتتمني أن تقوم الحكومة بذلك. وقالت إنها تتأسف لو كان هذا الأمر قد مسني بأي ألم، وهي واثقة أنه أمر محزن لكنها ليست صاحبة حيلة في ذلك. كانت خلاصة الحديث أن الأمر محتوم وأن على أن أقبل أن أكون بلا دولة في خانة الجنسية، على اعتبار أن كل ما قالت سيخفف من مأساتي وشعوري.
أيضاً حين وصلت برادفورد في شمال انجلترا حيث درست لنيل درجة الماجستير في العام 1998 كنت مثلما يفعل أي طالب أحاول أن استخرج بقية الأوراق الثبوتية التي تساعدني على الحياة في الحرم الجامعي مثل بطاقة الطالب وبطاقة المكتبة وما شابه. أيضاً في ذلك الزمن قبل سبعة عشر عاماً واجهت موقفاً مشابهاً حين كنت أقوم بتعبئة بياناتي ذاتياً على جهاز الجامعة حين لم اتمكن من العثور على كلمة تشير إلى مكان سكناي في فلسطين أو في غزة أو على جنسية تشير إلى هذا الارتباط. كانت كل الدول موجودة حتى الاماكن التي ليست بدول كانت موجودة أيضاً. بعد بحث لم يقد إلى شيء توجهت إلى الموظفة المسؤولة موضحاً الأمر معتقداً أن ثمة أمراً خطأ يمكن استدراكه. مثل أن تكون قد سقطت فعلاً كلمة فلسطين من القائمة أو أنها مكتوبة بطريقة لم استدل عليها، شيء من هذا القبيل. بعد ما بدا لي محاولات من قبل الموظفة رفعت رأسها واعتذرت بان الأمر لم يسقط سهواً أو أنه ناجم عن خطأ ما، بل هو حقيقة على تقبلها. سألت: وما هي الحقيقة؟ ، قالت : إن فلسطين ليست دولة وأنه لا يوجد شيء اسمه فلسطيني في قائمتها. قلت : وانا الذي يقف أمامك ماذا انا؟ قالت : هذا شيء آخر، وأن الشيء الوحيد الذي يمكن لها أن تفعله هو ان تتجاهل هذه الخانة على اعتبار أنها غير موجودة.
يبدو الأمر معقولاً لو أن ثمة حديث عن جنسية عالمية تسقط فيها الجغرافيا وتنهار تبعاً أسوار الحدود، لكن ما حدث معي وما يحدث مع كل الفلسطينيين في كل مرة ليس كذلك. فالعالم يتمسك بالحدود وبالجنسية وبالدولة الوطنية رغم كل مؤثرات العولمة التي حدت من هيمنة الدولة الوطنية وخففت من وطأة سيطرتها على حيوات مواطنيها. ورغم كل ما يقال عن المواطن العالمي وعن الانفتاح الهوياتي والتنوع الذي هو أصل التميز فإن العالم مازال محكوماً بكل قيود الدولة الوطنية وتقاليد الهيمنة والسيادة والتصنيف المتبادل للهوية بغض النظر عن كل القيم الأخرى. وعليه فإن اسقاط خانة الجنسية في الحادث الأول الذي مررت به قبل سبعة عشر عاماً لم يكن لأن الجنسية لم تعد مهمة او لأن هناك من يبحث عن فهم أشمل لمفهوم الانتماء تسقط فيه الجغرافيا بكل تعقيداتها ساحبة معها إلى قعر الواد التاريخ وتبعاته ومآسيه وآلامه حيث ينتهي كل شيء لصالح غياب التحديد الهوياتي. وفي الحادثة الثانية لم يكن وضع بلا دولة في خانة الجنسية تعبيراً عن البحث عن جنسية فوق الدولة، جنسية جمعية شاملة تغيب فيها الإشارة إلى الدولة كوحدة في مركزية في النظام الدولي، بل كان تعبيراً عن الحاجة للتاكيد على مركزية هذه الوحدة في تصنيف البشر في وترتيب علاقاتهم كمواطنين في دول عدة.
بعيداً عن كل ما قد يثيره هذا من ألم في النفس وربما الشعور بالإهانة الشخصية فإن فلسطين رغم ذلك لم تغب يوماً، والفلسطينيون لم ياخذوا تعريفهم لأنفسهم بانهم فلسطينيون لأن أحداً ما قرر أن يصفهم كذلك، بل لأن فلسطين لهم حتى لو رفض العالم وحتى لو صدر مئة وعد بلفور الذي تحل ذكراه المئوية المشؤومة بعد عام ونصف. هكذا ظلت فلسطين حتى لو لم تكن دولة موجودة في وجدان وقلوب الفلسطينيين وظلت حكايتهم التي لا يملون ترديدها ويحبون فعل ذلك، ليس من باب الحنين والتعاطف والبحث عن الماضي بل من أجل الشعور بالعلاقة مع المكان.
هذا يستدعي العمل أكثر على فرض فلسطين على مسرح الأحداث الدولية وتثبت اعتراف الدول بها ليس على مستوي التصريحات اللفظية والوعود السياسية، بل اجرائياً بما يقضى فعلاً بأن تكون فلسطين قبلة الفلسطينيين وحلمهم موجودةً حقاً. اشياء كثيرة علينا العمل لتحقيقها خاصة في غمار الصراع السياسي والدبلوماسي مع إسرائيل في المحافل الدولية بعد قرار الاعتراف الذي انتزعه الفلسطينيون من الجمعية العامة وسلسلة الاعترافات التي توالت من الكثير من الدولة. لكن يبدو أن ثمة جهود لم تنجز من أجل متابعة كل ذلك وهي قد تهدف إلى اجراءات بسيطة لكنها تقع في صلب تحقيق الانجاز حتى لا يشعر الفلسطيني بان فلسطينيته غير محققة. ورغم كل شيء فإن شيئاً على وجه الأرض لا يمكن أن ينزع هذه الفلسطينية عن الفلسطيني.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

stateless stateless



GMT 13:02 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ملاحظات أولية لمواطن بسيط

GMT 12:58 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه الجديد للأزمة الأميركية

GMT 12:53 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أسرانا المنسيين

GMT 12:49 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

سيد بايدن: فكّر بغيرك

GMT 12:44 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ثمّة متسعٌ للمزيد

GMT 08:01 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حذارِ من الحرب الأهليّة في فرنسا

GMT 14:10 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 13:52 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الثلاثاء الكبير: إسرائيل بانتظار بايدن!

تألقت بفستان من دون أكمام تميّز بقصته الضيقة من الأعلى

أحدث إطلالات الملكة ليتيزيا الساحرة باللون "الليلكي" تعرفي عليها

مدريد ـ فلسطين اليوم
إطلالات الملكة ليتيزيا راقية وأنيقة بشكل دائم، وأحدث إطلالات الملكة ليتيزيا لم تكن مختلفة حتى ولو جاءت مكررة لكنها إختيار خالد ومميّز، وزين طقم من مجموعة دار كارولينا هيريرا Carolina Herrera لخريف وشتاء 2016 أحدث  إطلالات الملكة ليتيزيا فبدت مثالاً للأناقة والرقيّ خلال مشاركتها في حفل توزيع جوائز the Jaume I 2020 awards، في مدينة لونجا دي لوس ميركاديريس، واعتمدت الملكة ليتيزيا تسريحة الشعر المنسدل ومكياج ناعم. وتألقت الملكة ليتيزيا بفستان باللون الليلكي من دون أكمام تميّز بقصته الضيقة من الأعلى أما التنورة فجاءت واسعة ووصلت إلى حدود الركبة، وزيّن الخصر حزام من القماش نفسه معقود بأناقة حول خصرها. وأكملت الإطلالة بمعطف واسع أنيق متناسق مع الفستان.   وما زاد أناقة احدث اطلالات الملكة ليتيزيا هو بطانة الفستان والمعطف التي أتت بدرجة لون أد...المزيد

GMT 07:55 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

عارضة مصرية تثير الجدل بـ"أهرامات سقارة" ووزارة الآثار ترد
 فلسطين اليوم - عارضة مصرية تثير الجدل بـ"أهرامات سقارة" ووزارة الآثار ترد

GMT 08:42 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تعرّف على أفضل النشاطات السياحية ليلًا في دبي شتاء 2020
 فلسطين اليوم - تعرّف على أفضل النشاطات السياحية ليلًا في دبي شتاء 2020

GMT 07:48 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

3 أفكار تبعد الرتابة والملل عن "ديكورات" منزلك
 فلسطين اليوم - 3 أفكار تبعد الرتابة والملل عن "ديكورات" منزلك

GMT 08:36 2020 الخميس ,03 كانون الأول / ديسمبر

محاكمة مذيع صيني شهير لاتهامه بالتحرش في قضية "تاريخية"
 فلسطين اليوم - محاكمة مذيع صيني شهير لاتهامه بالتحرش في قضية "تاريخية"

GMT 07:49 2014 الأحد ,26 تشرين الأول / أكتوبر

اعدام شابة ايرانية شنقًا يثير ادانات دولية

GMT 03:02 2015 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

قرد "البابون" في ديفون ينظف أسنانه بخيوط المكنسة

GMT 20:32 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 02:24 2015 الثلاثاء ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

بيت من صخور "الغرانيت" دون كهرباء وجهة سياحية للبرتغال

GMT 13:10 2017 الأربعاء ,22 آذار/ مارس

ممارسة الجنس تكفي لتنشيط جميع عضلات الجسم

GMT 01:50 2014 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

مشكلة بروز الأسنان وإعوجاجها هو نتاج وراثي

GMT 03:51 2017 الأربعاء ,10 أيار / مايو

إطلاق السيارة الجديدة "جاكورا XF" بمواصفات أفضل

GMT 13:52 2019 السبت ,21 أيلول / سبتمبر

فيات تكشف النقاب عن سيارتها الجديدة Abarth 595 Pista
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday