التبر القاتل وصحراء الكوني
آخر تحديث GMT 13:02:09
 فلسطين اليوم -

التبر القاتل وصحراء الكوني

 فلسطين اليوم -

التبر القاتل وصحراء الكوني

خالد الحروب

لا ينفك ساحر الصحراء المكرس، هذا الـ "إبراهيم الكوني"، عن تقليب كثبان البيد التي لا منتهى لها والتنقيب عن حكايات مذهلة.
بعد طي الصفحة الأخيرة من كل رواية من رواياته السابقة، الصحراوي منها والطارقي، الإنسي منها والجني، يحتار القارئ إن كان بقي في فيافي حبره مزيد من الحكايا.
في "التبر" يأتي جواب هادئ وسريع لا يحفل بضجيج السؤال أصلا. في هذا النص السردي المغزول بحوافر جمل أمهري أبلق بالغ الجمال، نتمدد مع كون الكوني، ونعاود الدخول عتبات الغموض: نحس بالارتواء رغم أننا نواجه في النص خطر الحتف من دون أن نحتمي بتعويذة متعة القراءة، ونحتمي من العطش، "قدر الصحراء الخالد".
لوهلة، كأنما نقرأ ذات القصة التي يعبرها أهل الأرض المفتوحة على المجهول مرة أخرى: مطاردة العشب والحياة، التوهان في حب حصان أو جمل أو غزالة، اختلاط حركة الجن مع الرمل وخجل الشمس من الطلوع، مبارزات الوفاء والنبل ضد الغدر والخيانة، وأولاً وقبل كل شيء انصياع صحارى الطوارق وحياتهم وحكمتهم وغموضهم لنمط القيادة الأمومي في حياتهم، يختفون ورءا ألثمتهم، وتتأملهم نساء قويات الشكيمة، خجولات الروح، يحملن الكون على رموش العين، لكنهن باذخات في العشق والفراش.
في القرن التاسع عشر تأتيهم أهوال الغزاة البيض من الشمال، فيقوم في وجههم أخنوخن، زعيم قبيلة آزجر، وشيخ قبيلة امنغساتن يقود معارك طاحنة ضد الهجمات الفرنسية التي كانت تستهدف التوغل في الصحراء الكبرى والسيطرة على تجارة القوافل.
تاريخه الأسطوري والمائة عام التي عاشها تركت إرثا فائضا بالفخار والعزة في قلب ووجدان حفيده أخيد.
يمر بصحراء أخيد زاهد شنقيطي متجه إلى الحج تاركا خلفه الدنيا ومراكش وآلياً على نفسه البقاء إلى جانب قبر الرسول بقية حياته. يترك له جملا رشيقا نادر الوجود، أمهري الأصل، أبلق الجسد واللون.
سرعان ما تتطور علاقة حميمية فريدة بين أخيد والجمل الرشيق. يذرعان الصحراء معاً، ويقومان بغزوات عاطفية ليلية معاً، كأنما جاءا من عالم واحد.
الأمهري الأبلق يُصاب بالجرب ويبدأ بفقدان لونه وبهائه، فيجن جنون أخيد.
يحاول علاجه ولا يترك وصفة إلا طبقها، ينصحه الولي يوسف بأن الدواء الوحيد يكمن في صحراء آسيار وثمارها، لأن فيها ألف دواء. صحيح أن نتيجتها قد تكون الجنون مع الشفاء، لكن ليس ثمة علاج آخر.
يأخذ أخيد جمله إلى تلك الصحراء "قرعات ميمون" وينقذه بعد أن كان على حافة الموت، في رحلة شفاء أقرب إلى اكتشاف الموت.
ففي قلب تلك الصحراء بدأت الرحلة تلك بدعاء أمام نصب لإله قديم. البعض قال إنه لصحابي مات عطشا في الصحراء، والبعض قال إنه لإله صحراء غير معروف التاريخ.
هناك قدم أخيد نذرا أن يذبح جملا سمينا إن شفي جمله الأبلق. لاحقاً، يكتشف أخيد أن ذلك النخب انما هو لإلهة الخصب والتناسل الليبية القديمة تانيت، وقد احنث وعده لها بعد شفاء الابلق، ولم يذبح ما وعد. ما مر به من كوارث لاحقة ينسبها إلى حنث الوعد، كيف يفعل وهو حفيد اخنوخن.
ينخرط الجمل في طريقه إلى الشفاء في نوبة صرع مؤقتة فينطلق بلا بوصلة في الصحراء صاعدا هضابا ونازلا اخرى، واخيد يلهث وراءه خشية ان يفقده، يسيل دم الاثنين على الصخور والارض خاصة بعد ان يربط اخيد ذراعه اليسرى بذيل الجمل حتى لا يفترقان في الصحراء والركض.
يتمزق جسد أخيد ويغيب عن الوعي من التعب والعطش والشمس. يصلان إلى بئر مهجورة ويتدلى فيها أخيد، لكن ذيل الجمل ينقذه من الموت، حتى يحافظ على رشاقة الجمل ولونه وبهائه يقترح عليه الشيخ يوسف إخصاء الجمل، لأن الطهارة تمسح ما اقترفه الجمل سابقا من غزوات عاطفية.
بالإخصاء تتم الطهارة، هكذا يضعنا نص الكوني أمام خيارات الحياة اللئيمة. العاشق يرتب عملية إخصاء العشيق، بعد أن تآخيا في رحلة العذاب تلك، وقد حضنا بعضهما البعض واختلط دمهما بدم بعض.
في تلك اللحظة، لحظة اختلاط الدم بين الانسان والحيوان، تنتقل العلاقة من الصداقة إلى "التآخي" بحسب قانون الصحراء.
يتعرف أخيد إلى ايور الفتاة الجميلة ويتزوجها وينجب منها. وهنا، يواجه أخيد خيارا لئيما آخر: يغرق في "وهق الزوجة ودمية الأولاد ووهم العار"، ويخسر حريته السابقة مع الجمل الأمهري.
زوجته الجميلة هي هوى تاجر تبر من عائلتها، ظل يحوم حولها لتطليقها من أخيد والزواج بها. يهبط وقت مجاعة مخيف يقصف الأعمار والحيوات، ويهدد عائلة أخيد بالموت جوعا. يستغل تاجر التبر وقت المجاعة ويأخذ جمل أخيد رهنا مقابل أن يعطيه جملين يبيع أحدهما ويشتري بثمنه طعاماً لزوجته وأولاده، وبالثاني يشتغل يوميا مقابل بعض المردود.
يشتاق اخيد للجمل الأمهري الأبلق، لماضيه البهي والحر، ويحاول استعادته، لكن مالكه الجديد يشترط عليه تطليق زوجته إن أراد الحصول على جمله الذي يحبه.
في النهاية لا يصبر على فراق الجمل ويقبل، ويتخلى عن زوجته وأولاده. تاجر التبر الذي يظفر بالصفقة يهديه مقدار كفين من التبر عقب ان يأخذ جمله الأبلق. ويقول له إن الناس تموت من اجل التبر، وان ما يقدمه له مجرد هدية.
يذهب أخيد بأبلقه ليعيش في بقعة محظوظة بالعشب والكلأ مع جمله، ويحس بالطمأنينة واستعادة الحرية والانفكاك من القيود: الزوجة والأولاد وشبح العار. لكن تصدمه شائعة قاتلة تكون قد انتشرت عنه بأنه باع زوجته وأولاده من أجل حفنتي تبر.
يتجلل بالعار بينه وبين ذاته، ولا يعرف النوم. يذهب الى تاجر التبر ويقتله أثناء اغتساله في نبع قبيل عرسه. يصبح رأسه مطلوبا. أقارب التاجر الطامعين في إرثه يجب عليهم اولا غسل العار وقتل من قتله قبل أن يبدؤوا بتقاسم الإرث بينهم. يموت اخيد وجمله الأبلق، بعد أن كان قد طبق قانون صحراء عميق يقول: "الصبر إله العطش".
مات وهو يحلم بأن يعود حراً في صحراء فيها من العبودية "للأوهاق" بمثل ما فيها من حرية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التبر القاتل وصحراء الكوني التبر القاتل وصحراء الكوني



GMT 13:02 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ملاحظات أولية لمواطن بسيط

GMT 12:58 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه الجديد للأزمة الأميركية

GMT 12:53 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أسرانا المنسيين

GMT 12:49 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

سيد بايدن: فكّر بغيرك

GMT 12:44 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ثمّة متسعٌ للمزيد

GMT 08:01 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حذارِ من الحرب الأهليّة في فرنسا

GMT 14:10 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 13:52 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الثلاثاء الكبير: إسرائيل بانتظار بايدن!

تألقت بفستان من دون أكمام تميّز بقصته الضيقة من الأعلى

أحدث إطلالات الملكة ليتيزيا الساحرة باللون "الليلكي" تعرفي عليها

مدريد ـ فلسطين اليوم
إطلالات الملكة ليتيزيا راقية وأنيقة بشكل دائم، وأحدث إطلالات الملكة ليتيزيا لم تكن مختلفة حتى ولو جاءت مكررة لكنها إختيار خالد ومميّز، وزين طقم من مجموعة دار كارولينا هيريرا Carolina Herrera لخريف وشتاء 2016 أحدث  إطلالات الملكة ليتيزيا فبدت مثالاً للأناقة والرقيّ خلال مشاركتها في حفل توزيع جوائز the Jaume I 2020 awards، في مدينة لونجا دي لوس ميركاديريس، واعتمدت الملكة ليتيزيا تسريحة الشعر المنسدل ومكياج ناعم. وتألقت الملكة ليتيزيا بفستان باللون الليلكي من دون أكمام تميّز بقصته الضيقة من الأعلى أما التنورة فجاءت واسعة ووصلت إلى حدود الركبة، وزيّن الخصر حزام من القماش نفسه معقود بأناقة حول خصرها. وأكملت الإطلالة بمعطف واسع أنيق متناسق مع الفستان.   وما زاد أناقة احدث اطلالات الملكة ليتيزيا هو بطانة الفستان والمعطف التي أتت بدرجة لون أد...المزيد

GMT 07:55 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

عارضة مصرية تثير الجدل بـ"أهرامات سقارة" ووزارة الآثار ترد
 فلسطين اليوم - عارضة مصرية تثير الجدل بـ"أهرامات سقارة" ووزارة الآثار ترد

GMT 08:42 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تعرّف على أفضل النشاطات السياحية ليلًا في دبي شتاء 2020
 فلسطين اليوم - تعرّف على أفضل النشاطات السياحية ليلًا في دبي شتاء 2020

GMT 07:48 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

3 أفكار تبعد الرتابة والملل عن "ديكورات" منزلك
 فلسطين اليوم - 3 أفكار تبعد الرتابة والملل عن "ديكورات" منزلك

GMT 08:36 2020 الخميس ,03 كانون الأول / ديسمبر

محاكمة مذيع صيني شهير لاتهامه بالتحرش في قضية "تاريخية"
 فلسطين اليوم - محاكمة مذيع صيني شهير لاتهامه بالتحرش في قضية "تاريخية"

GMT 07:49 2014 الأحد ,26 تشرين الأول / أكتوبر

اعدام شابة ايرانية شنقًا يثير ادانات دولية

GMT 03:02 2015 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

قرد "البابون" في ديفون ينظف أسنانه بخيوط المكنسة

GMT 20:32 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 02:24 2015 الثلاثاء ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

بيت من صخور "الغرانيت" دون كهرباء وجهة سياحية للبرتغال

GMT 13:10 2017 الأربعاء ,22 آذار/ مارس

ممارسة الجنس تكفي لتنشيط جميع عضلات الجسم

GMT 01:50 2014 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

مشكلة بروز الأسنان وإعوجاجها هو نتاج وراثي

GMT 03:51 2017 الأربعاء ,10 أيار / مايو

إطلاق السيارة الجديدة "جاكورا XF" بمواصفات أفضل

GMT 13:52 2019 السبت ,21 أيلول / سبتمبر

فيات تكشف النقاب عن سيارتها الجديدة Abarth 595 Pista
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday