لماذا يقف العرب ضد انفصال اسكتلندا عن بريطانيا
آخر تحديث GMT 09:51:40
 فلسطين اليوم -

لماذا يقف العرب ضد انفصال اسكتلندا عن بريطانيا؟

 فلسطين اليوم -

لماذا يقف العرب ضد انفصال اسكتلندا عن بريطانيا

د. خالد الحروب

سألت أصدقاء وزملاء وطلبة في الجامعات ايضا وفي اكثر من بلد عربي خلال الاشهر الماضية عن رأيهم في مسألة انفصال اسكتلندا عن بريطانيا، وهي التي سيحسمها الاستفتاء التاريخي يوم الخميس 18 ايلول القادم.
المثير واللافت للانتباه ان الغالبية الكاسحة لمن سألتهم حتى هذه اللحظة يؤيدون بقاء اسكتلندا مع المملكة المتحدة.
وعندما استفسر عن الأسباب التي تبرر هذا التأييد لا تُطرح حجج تفصيلية أو تشي بأن صاحب الرأي على اطلاع ولو معقولاً بالجوانب المختلفة سواء للرأي الداعم للانفصال أم المؤيد له.
لا أزعم هنا بأن سؤالي العابر هنا وهناك كان مسحاً علميا ولا حتى قريبا من ذلك، ولم استطع تفسير ذلك إلا بتأكيد الانطباع الذي أعتقده وهو وجود مزاج عربي واسع وعميق ضد فكرة الانفصال ومُنحاز لفكرة الوحدة بشكل شبه غريزي، وهو الامر الجدير بالتأمل.
فعلى الرغم من الانهيارات المتتالية للمشروع القومي العربي على المستوى السياسي والإحباطات التي تعرض لها، والاستغلال الايديولوجي للشعارات القومية من قبل أنظمة دكتاتورية شوهته، إلا ان فكرة الوحدة العربية، وفكرة الانتماء إلى فضاء ثقافي واحد لا تزال متجذرة في الوجدان العربي.
لن يُعجب هذا الكلام كثيرين نعوا الفكرة العربية واعلنوا موتها مراراً، لكنها في ضوء التذري والتفسخ الطائفي والديني والإثني والسياسي الذي تواجهه المنطقة تثبت بأنها الفكرة الاكثر صلابة وديمومة.
صحيح ان الايديولوجيا القومية عانت من امراض عديدة، كالتوحيد القسري، وغياب الديموقراطية، واقصاء الاقليات، لكن ذلك لم يؤثر في جوهر التأييد العميق للفكرة.
وصحيح ان ليس ثمة تصور مطروح لترجمتها سياسيا وعملياتياً على الارض في الوقت الحاضر، لكن ذلك يؤدي إلى شطبها من جدول الخيارات المستقبلية بدليل تمظهراتها القوية في فضاءات الثقافة والإعلام والتواصل واللغة.
في تلك الحوارات العابرة مع زملاء واصدقاء وطلبة حول المسألة الاسكتلندية كنت اورد حجج مؤيدي الانفصال سواء تلك الاقتصادية او الهوياتية وذات العلاقة بالشعور الوطني الاسكتلندي المتأصل ضد الملكية، وضد سيطرة انكلترا التاريخية وبطشها بمن جاورها.
كما كنت اسحب الحجج إلى مساحة اخرى حيث موقف "بريطانيا العظمى" السلبي والمدمر في احيان كثيرة إزاء القضايا العربية، وأن انسلاخ اسكتلندا عن التاج البريطاني يحررها سياسيا من المواقف البريطانية، وذلك في الغالب الاعم سيخدم القضايا العربية.
فالمزاج الاسكتلندي قريب من الايرلندي في تأييده لقضية فلسطين وفي نزعته المعادية للسياسة الاميركية التوسعية هنا وهناك.
وان تقلص بريطانيا جغرافيا وديموغرافيا سوف يؤدي الى تقلص دورها ونفوذها العالمي الذي كان في الغالب الاعم على الضد من المصلحة العربية.
ومع ذلك بالكاد كانت هذه الحجج تؤثر في الموقف الاعرض وهو غير المؤيد للانفصال، والمائل بوضوح لفكرة الوحدة.
ثمة تقديرات ربما تكون غير دقيقة بوجود حوالي 700 الف عربي يعيشون في اسكتلندا ويحملون الجنسية البريطانية ويحق لهم التصويت يوم الخميس القادم.
والبعض يرى ان هذا العدد كفيل بأن يرجح كفة النتيجة إن مالت اغلبيته الكاسحة إلى رأي معين وصوتت باتجاه الانفصال أو استمرار الوحدة.
ربما كان في هذه التقديرات بعض المبالغات لكن سيكون من المثير فعلا، بحثيا ومعرفياً، استكناه رأي "عرب اسكتلندا" في مسألة الانفصال ومعرفة لمن صوتت اكثريتهم، ولماذا.
وفي نفس الوقت سيكون من المُعلم والمفيد لو أجري بعض الاستطلاعات المسحية العلمية لاستكشاف المزاج العربي حول فكرة هذا الانفصال، بل وربما توسيع ذلك إلى قضايا "انفصالية" وخلافية اخرى مثل مطالبات اقليم الباسك وانفصاليي كرواتيا.
الانطباع الاولي والتخميني، لدى كاتب هذه السطور على الاقل، ان نتائج مثل تلك المسوحات في ما لو اجريت ستؤثر الى تفضيل واضح لفكرة الوحدة، حتى من دون الانخراط في التفاصيل وفي الاسباب التي تجعل كثيرين من سكان تلك المناطق يطالبون بالاستقلال والانفصال.
وهذا يحيلنا مرة اخرى إلى معادوة فتح ملف فكرة الوحدة العربية التي رغم طوباويتها السياسية وعدم طرحها كبرنامج سياسي من قبل اية دولة أو حزب ذي جماهيرية حقيقية، إلا انها لا تزال تعيش في الوجدان العربي العميق.
وهي تعيش ايضا ويؤيدها بقوة، وبما يلفت الانتباه اكثر، بعض الشرائح الشبابية العربية التي ولدت في المهجر والتي لا تتقن في مجملها اللغة العربية أصلاً.
وهذا يفتح باب نقاش آخر حول "الهوية العربية" وتعريفها، ويذكر بنقاش معمق أداره عبد الإله بلقزيز في كتابه عن "نقد الخطاب القومي".
وفيه يرفض بلقزيز، وعلى خلاف مع كثير من المقاربات القومية الكلاسيكية، أيَّ تعريف يجذر الهوية بأطر جوهرانية وثقافوية تاريخية، تركز مثلاً على العرق، أو اللغة، أو الدين، أو التاريخ، فـ "عرب اليوم" يتجاوزون تلك التعريفات الحصرية والمقيدة، فأين يقع - مثلاً - أبناء العرب في المهاجر ممن لا يتكلمون العربية؟ وأين يقع غير العرب من المواطنين الذين ربما لا يتقنون العربية ولا ينتمون عرقياً لأي جنس "عربي"؟ وأين تقع الهوية الدينية في كل هذا اللبس؟ وأين يقع المسيحيون العرب إذا ما أدمجنا الإسلام في تعريف الهوية العربية؟ الجواب الحاسم عند بلقزيز هو أن الهوية الحديثة تتعرف فقط ضمن إطار سياسي ومواطني: الدولة الوطنية الديموقراطية هي مناط تعريف الهوية، وهذه الهوية تصبح ماهيتها سياسية قانونية في المقام الأول، وتتراجع اي مكونات ثقافوية أو تاريخية لتأخذ المقعد الخلفي.
ومن هنا أيضاً، فإن أطروحات التجانس الثقافي المفتعلة والقسرية لا تخلق هوية بل تعمق أزمات، إذ تريد قولبة المختلف في إطار ثقافوي توحيدي فوقي مفترض.
ويأتي الالتباس الكبير في تعريف الهوية القومية وحتى هوية الفرد في الفكر القومي من خلل أكبر وأهم، وهو احتقار فكرة "الدولة" أمام فكرة "الأمة"، فالأمة هي الأصل والدولة هي نتوء قد يبرز في هذه الحقبة أو تلك، ومن هنا، فإن تعريف الهوية بقي قلقاً من ناحية وثقافوياً من ناحية أخرى، لكنه في الحالتين اغترب عن حاضر عرب اليوم وعن دولهم القائمة، لأنه لم ينبع من هوية قانونية وسياسية تنطلق من تكريس مفهوم الدولة وإطارها.
وعندما نعيد تدوير هذا النقاش النظري في ضوء مثال وحالة عملية وواقعية تقوم حول تأييد حالة وحدة معنية لا علاقة للعرب بها على حالة الانفصال، فإن ذلك يدلل على أن الفكرة والنقاش حولها لم يموتا بل ما زالا على قيد حياة متحدية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا يقف العرب ضد انفصال اسكتلندا عن بريطانيا لماذا يقف العرب ضد انفصال اسكتلندا عن بريطانيا



GMT 13:02 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ملاحظات أولية لمواطن بسيط

GMT 12:58 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الوجه الجديد للأزمة الأميركية

GMT 12:53 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أسرانا المنسيين

GMT 12:49 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

سيد بايدن: فكّر بغيرك

GMT 12:44 2020 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

ثمّة متسعٌ للمزيد

GMT 08:01 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حذارِ من الحرب الأهليّة في فرنسا

GMT 14:10 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 13:52 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الثلاثاء الكبير: إسرائيل بانتظار بايدن!

أعادتنا هذه الموضة إلى عالم الأربعينات والخمسينات

تعرفي على إطلالات النجمات العالميات بأسلوب "الريترو"

القاهرة ـ فلسطين اليوم
تنوّع النجمات في إطلالاتهن على السجادة الحمراء، فمنهن من يقررن اعتماد طابعًا معينًا ومنهن من يفضلن البساطة، إلا أننا لاحظنا أن عددًا من النجمات العالمية فضلن هذه الفترة اعتماد موضة الريترو المستوحاة من الحقبات القديمة بحيث اخترن فساتين ذات قصات قديمة وقرروا اعادتها الى الواجهة. لذا تعرفي الى أبرز من اعتمدها، وكيف يمكن أن تنسقيها بأسلوبك الخاص. فساتين بطابع الريترو لا يمكن أن تغيب التصاميم القديمة عن ساحة الموضة فهي تعتبر هوية الموضة الحالية وارثها الثمين. من هنا قررت النجمات أن يعدن هذه الموضة الى الساحة الجمالية والخاصة بعالم الموضة تحديداً، فرأينا فساتين بقصات متنوعة مستوحاة من الحقبات الماضية. عودة الى أربعينات وخمسينات القرن الماضي لا تُشكّل العودة في الصيحات ‘لى سنوات قليلة مضت، بل على العكس أعادتنا هذه الموضة ...المزيد

GMT 07:55 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

عارضة مصرية تثير الجدل بـ"أهرامات سقارة" ووزارة الآثار ترد
 فلسطين اليوم - عارضة مصرية تثير الجدل بـ"أهرامات سقارة" ووزارة الآثار ترد

GMT 08:42 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تعرّف على أفضل النشاطات السياحية ليلًا في دبي شتاء 2020
 فلسطين اليوم - تعرّف على أفضل النشاطات السياحية ليلًا في دبي شتاء 2020

GMT 07:48 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

3 أفكار تبعد الرتابة والملل عن "ديكورات" منزلك
 فلسطين اليوم - 3 أفكار تبعد الرتابة والملل عن "ديكورات" منزلك

GMT 17:43 2015 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

معلومات خاطئة عن العلاقة الجنسية

GMT 06:35 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

تنفرج السماء لتظهر الحلول والتسويات

GMT 14:21 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

خاتم زواج الماس للمناسبات الخاصة

GMT 12:46 2019 الثلاثاء ,18 حزيران / يونيو

أفكار رائعة لديكورات غرف الأطفال 2019

GMT 09:35 2017 الإثنين ,04 كانون الأول / ديسمبر

الريان القطري يشارك في دوري أبطال آسيا عام 2018

GMT 08:17 2018 الثلاثاء ,21 آب / أغسطس

طاولات الماكياج بصيحة عصرية في غرفة نومك

GMT 00:36 2017 الإثنين ,23 تشرين الأول / أكتوبر

هنا الزاهد تراهن على نجاح "عقد الخواجة في دور العرض

GMT 09:44 2015 الخميس ,31 كانون الأول / ديسمبر

مزارع برازيلي يعثر على صدفة حيوان مدرع أقدم من 10 آلاف عام

GMT 23:51 2018 الأربعاء ,13 حزيران / يونيو

سرقة صفة الفنانة ليال عبود في الأراضي الألمانية

GMT 08:27 2019 الثلاثاء ,05 آذار/ مارس

سلمى حايك لم تخجل من الكشف عن شعرها الأبيض

GMT 14:11 2019 الثلاثاء ,08 كانون الثاني / يناير

عطر مميز من أجود عطور "استي لودر" يتلائم مع شخصيتِك
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday