باتت وحدة الأحزاب الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة العام 1948 مثار اهتمام فلسطيني وإسرائيلي؛ بعد أنَّ سلكت مسارًا معاكسًا تمامًا لما تشهده المنطقة من انقسام واصطفافات وتعسكر وتمحور.
وقررت تلك الأحزاب، خلال اجتماعها تحت سقف القائمة العربية المشتركة، برئاسة رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، أيمن عودة؛ لتمثيل المواطنين الفلسطينيين في الداخل خلال انتخابات الكنيست العشرين.
اتفقت تلك الأحزاب رغم اختلافهم في قضايا عدّة، مثل سورية ومصر وقطر والربيع العربي، ومن السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وحتى من حيث قضاياهم الداخلية، لكن إرادتهم في البقاء ومواجهة من أراد شطبهم، تغلبت على خلافاتهم الأيديولوجية والسياسية وخصوماتهم الشخصية والتنافس على الصدارة وصراع الكراسي.
ووفق مركز "أطلس للدراسات الإسرائيلية"، أربعة أحزاب عربية كانت ممثلة في ثلاثة قوائم داخل الكنيست المنحل، وهي "القائمة الإسلامية، والقائمة العربية للتغيير، وقائمة التجمع، وقائمة الجبهة) ومثلت مجتمعة بـ11 مقعدًا.
توحدت الأحزاب للمرة الأولى منذ مشاركة فلسطينيي الداخل في الانتخابات العامة للكنيست تحت اسم القائمة العربية المشتركة، وبذلك حققت حلم وإرادة الغالبية الساحقة من فلسطينيي الداخل في وحدة الصوت الانتخابي ووحدة الاصطفاف النضالي ضد الاحتلال والعنصرية.
خلقت وحدة الصف زخمًا سياسيًّا وعززت الأجواء الإيجابية والحماسية بين صفوف الجماهير الفلسطينية في الداخل، هذه الجماهير التي كانت عازفة عن المشاركة في التصويت؛ تعبيرًا عن شعورها بعدم أهمية الانتخابات من حيث شروط وظروف حياتها، وتعبيرًا عن عدم رضاهم عن أداء الأحزاب الفلسطينية الممثلة في الكنيست، والتي كانت تعيب عليها تغييب الأجندة الاجتماعية الاقتصادية والحريات والمطالب الحياتية عن اهتمامات الأحزاب الممثلة في الكنيست، وكان بعضها عزوفًا عن المشاركة لأسباب مبدئية بمقاطعة الانتخابات، الأمر الذي كان يجعل نسبة المشاركين في الانتخابات منخفضة عما هي عليه في الوسط اليهودي، إذ بلغت في الانتخابات الأخيرة 56% فقط.
حالة الحماس للمشاركة في الانتخابات التي تولدت في أعقاب الإعلان عن تشكيل القائمة المشتركة، رصدها استطلاع صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، الذي جاء فيه أن أكثر من 62% من أصحاب حق الاقتراع أعلنوا نيتهم المشاركة في الانتخابات، وهذه النسبة قابلة للزيادة في ظل حضور الخطاب الموحد وغياب الصورة السلبية الناتجة عن صراعات الاستقطاب الحزبي، بما كانت تنطوي علية من توتر واحتقان وتبادل اتهامات وقذف وتشهير، وأيضًا في ظل تعزيز القائمة بوجوه جديدة تمثل كل أطياف المجتمع العربي "مسلمون ومسيحيون ودروز"، بالإضافة إلى اليهودي دوف حنين، عضو الكنيست عن الجبهة؛ تعبيرًا عن وحدة النضال الديمقراطي المشترك، و3 نساء.
الزخم الحماسي للمشاركة في الانتخابات تعززه الأجواء العنصرية المتصاعدة ضد هوية الوجود الفلسطيني وضد ثقافته ولغته، والتي تمثلها تصريحات غلاة العنصريين أمثال ليبرمان وبينيت، كذلك فإنَّ مجرد تشكيل القائمة ونشر برنامجها الانتخابي الذي يركز على القضايا الداخلية، بالإضافة إلى قضايا السلام والاحتلال، فضلاً عن الرسائل والمضامين الجديدة التي يحملها خطاب رئيسها أيمن عودة، والشعور بأن ثمة شيء جديد يحدث على مستوى جدية التمثيل في الكنيست على المستوى النوعي والوعود والآمال بتشكيل تحدٍ قوي؛ لتعزيز وترجمة الوزن النسبي الكبير لفلسطينيي الداخل على مستوى قضاياهم الحياتية، كل ذلك يخلق زخمًا ويعزز آمالاً بأن فلسطينيي الداخل أمام فرصة قوية لترجمة إرادتهم وحجمهم داخل الكنيست.
وحال استمرت وحدة القائمة المشتركة في الكنيست بعد الانتخابات، بغض النظر عن حجمها، سواء بالحد الأدنى 12 مقعدًا أو بالحد الأقصى 15 مقعدًا؛ فإنها ستشكل تحديًا ديمقراطيًا جديدًا أمام الأحزاب الصهيونية، الذي طالما نجحت تلك الأحزاب في التهرب من استحقاقاته.
أولى هذه التحديات سيكون عبر إشراك مندوبي القائمة في تمثيل الأخيرة داخل اللجان البرلمانية بحسب قانون التمثيل النسبي، بما في ذلك رئاسة بعض اللجان، وعن ذلك يقول رئيس القائمة أيمن عودة إنهم سيطالبون بتمثيلهم في جميع اللجان، بما في ذلك لجنة الخارجية والأمن، ولجنة الموازنات والمالية والداخلية والصحة والتعليم، باستثناء بعض اللجان الأمنية المتخصصة، وسيصرون على رئاسة بعض اللجان حسبما يمنحهم القانون المعمول به، والخاص بتوزيع رئاسة اللجان وعضويتها؛ الأمر الذي سيشكل سابقة وتحديًا كبيرًا للمؤسسة الصهيونية، التي كانت في السابق تمنحهم تمثيلاً محدودًا وشكليًا، إذ أنَّ جميع أعضاء الكنيست الفلسطينيين لا تنطبق عليهم معايير التصنيف الأمني، وسيكون بوسعهم الاطلاع والاعتراض وفضح العنصرية المؤسسية، علاوة على أنَّ ذلك سيساعدهم في نضالهم من أجل المساوة على مستويات الإنفاق والصحة والتعليم والوظائف والتخطيط البلدي والإسكان والبني التحتية.
وبحسب معظم الاستطلاعات، فإنَّ القائمة العربية ستحصل على الترتيب الثالث بعد "الليكود" و"العمل"، وحال تشكيل ائتلاف بين "العمل" و"الليكود" فإنَّ رئيس القائمة العربية أيمن عودة سيكون رئيس المعارضة الإسرائيلية؛ الأمر الذي سيمنح الصوت العربي منبرًا ومكانة مهمة لا يمكن تجاهلها، فرئيس المعارضة يتمتع بمزايا سياسية وبروتوكولية وإعلامية.
ويعتبر المحلل الحزبي للقناة الأولى، حنان كريستال، أنَّ القائمة العربية المشتركة هي الحدث الدراماتيكي الأهم في هذه الانتخابات، الذي سيكون له تأثير كبير على السياسات السياسية والحزبية الإسرائيلية، ويكمل أنه لا يعرف كيف ستواجه الأحزاب الصهيونية في الكنيست هذا التحدي الجديد.
وفي اليوم التالي للانتخابات؛ ستقف القائمة العربية المشتركة أمام 3 تحديات رئيسية؛ الأول: استمرار وحدتها وعدم انشقاقها إلى كتلتين أو ثلاثة، والثاني: استمرار وحدة خطابها ومواقفها وتغليب المشترك على الخلافات، والثالث: قدرتها على ترجمة شعاراتها ووعودها لناخبيها في حملتها الانتخابية إلى برامج وقرارات وتوجهات حقيقية، تؤكد عبرها قدرتها والتزامها بمطالب جمهورها الاقتصادية والاجتماعية والمساواة التي عبر قرابة 70% من المستطلعين الفلسطينيين أنها ذات أولوية على موضوع الصراع العربي الإسرائيلي.
أرسل تعليقك