رغم كل ذلك، ثمة بارقة أمل
آخر تحديث GMT 08:54:07
 فلسطين اليوم -

رغم كل ذلك، ثمة بارقة أمل

 فلسطين اليوم -

رغم كل ذلك، ثمة بارقة أمل

عبد الغني سلامة
بقلم : عبد الغني سلامة

تمر القضية الفلسطينية بأزمة خطيرة، وصارت أبعد عن أي حل عادل، والأسباب وراء ذلك كثيرة، منها: التغيرات العميقة في الخارطة السياسية الإقليمية والدولية، والتي من أهم عناوينها تنامي معسكر اليمين الصهيوني في إسرائيل، وتنامي اليمين الديني والقومي في أميركا، وتعاظم دور المسيحية الصهيونية، والتي تشكل دعامة مهمة في سياسات "ترامب"، وانحيازه الأعمى لإسرائيل، وهذا

يترافق أيضاً مع تنامي اليمين الشعبوي في عموم أوروبا. هذا يعني أن الموقف الدولي الذي كان باهتاً، ومتواطئاً، سيغدو أكثر تقبلاً لممارسات إسرائيل الإجرامية، وأكثر صمتاً إزاء الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون. إسرائيلياً، يواصل اليمين الديني والاستيطاني صعوده، في الحكومة والكنيست، وفي الجيش، وفي مؤسسات الدولة، والمجتمع، وقد خنق كل صوت معارض، ولم تعد النخب الحاكمة

مضطرة للقبول بأي حل سياسي، وهي مستعدة للتعايش مع حالة اللاحرب واللاسلم واللاحل لأمد طويل، بل إنها تستغل عامل الوقت في التوسع والاستيطان والتهويد، وتنتظر فرصة مواتية لتفريغ الأرض من الفلسطينيين، ربما تنتظر حرباً إقليمية، أو تسعى لافتعال حرب أهلية فلسطينية، لتنفذ حلمها القديم: "الترانسفير الجماعي". على الصعيد العربي، طرأت تغيرات جذرية في مواقف الشعوب

والحكومات والأنظمة العربية، بدءا من سقوط العراق (2003)؛ الحائط الأخير الذي بانهياره بدأ الانهيار العربي الكلي، وصولا للعام 2011، الذي شهد انطلاقة ثورات الربيع العربي، والتي سرعان ما ابتلعتها الثورات المضادة؛ وصار الوضع العربي أسوأ من ذي قبل: حروب أهلية مدمرة في أربع دول (اليمن، سورية، العراق، ليبيا) واضطرابات وقلاقل أمنية في دول أخرى، وهرولة وتطبيع مع

إسرائيل، وخضوع غير مبرر لأميركا.. وهذه الانهيارات الكارثية تجري على مستوى الحكومات، والنخب، والمجتمعات. وهذا يعني أن الفلسطينيين لن يكون بمقدورهم الرهان على الحصان العربي، لا الآن، ولا في الأفق المنظور. على الصعيد الفلسطيني، ما زال الانقسام يلقي بظلاله الكئيبة على المشهد، ويكبل أي فرصة لإحراز أي تقدم سياسي، أو حتى لفتح نافذة لأي حل، فضلاً عن تراجع قوة

وحضور "فتح" وبقية الفصائل الوطنية والإسلامية، وتراجع شعبيتها.. وتكلس النظام السياسي الفلسطيني، وترهله.وأمام هذه المعطيات الصعبة والمجافية، ومع الإعلان عن صفقة القرن، أعرب كثيرون عن تخوفاتهم من المستقبل، وغمَّ التشاؤم على قلوب آخرين، وهذه المخاوف والتشاؤمات لها مبرراتها، لكن الخطورة أن تتحول إلى مدخل تتسرب منه الهزيمة، فإذا ما استفحلت عقلية الهزيمة،

ستكون نهايتنا المدوية. من تجليات عقلية الهزيمة الدعوة لحل السلطة الوطنية؛ وهو خيار عدمي انتحاري، لأنه يعني ضياع هذا الإنجاز المهم والعودة بالشعب الفلسطيني إلى ما دون نقطة الصفر، وتفتيت الكيانية الفلسطينية إلى ما كانت عليه في الخمسينات، وحل السلطة في هذا الوقت بالذات يعني أنه ليس أمام إسرائيل شريك سياسي، وبالتالي ستعمل على تنفيذ مخططاتها وتحقيق رؤيتها للحل

النهائي دون أن يزعجها أحد أو يلومها لائم، وفوق ذلك، سيقود إلى الفوضى الأمنية، وسيسبب انهيار الاقتصاد في الأراضي الفلسطينية، وزيادة معدلات البطالة ونسبة من سينزلون تحت خط الفقر، وما سينتج عن ذلك من تداعيات ستعجز جميع منظمات الأمم المتحدة عن حلها.. والمجتمع الدولي، الذي يراهن عليه البعض في تحمل مسؤولياته، لا يعرف أكثر من تقديم منح وأموال مشروطة.

ما تقدم ذكره، ليست مبررات للاستسلام، بل هي قراءة للواقع بعقلانية، وهذه القراءة تعني ببساطة أن هذه المرحلة (المدى المنظور) ليست مرحلة التحرير، وليست مرحلة انتزاع دولة مستقلة بالشروط الفلسطينية.. في هذه المرحلة يتعذر تحقيق أي انتصار حقيقي، أو إحداث اختراق كبير، وأفضل ما يمكن تحقيقه الآن (وما يجب تحقيقه) هو صمود وثبات الفلسطينيين فوق أرضهم (عدم السماح لأي

عمليات تهجير طوعي أو إجباري)، والتمسك بالحلم، وبالحقوق الوطنية، وعدم تقديم تنازلات سياسية جوهرية (أي استخدام قوة الرفض)، ومواصلة الكفاح الشعبي والسياسي والقانوني والإعلامي (أي استخدام القوة الممكنة).. إلى أن تتبدل الظروف، أو يتغير النظام الإقليمي، أو تصحو الجماهير العربية، وتدرك الأنظمة العربية أن مصلحتها تكمن في مقاومة النفوذ الإمبريالي والصهيوني، لا في

التطبيع والانبطاح. ورغم مساوئ الواقع، والصعوبات والضغوط، وحجم التحديات المفروضة، والمخاطر المحدقة؛ إلا أن هنالك ما يدعو للتفاؤل؛ أو على الأقل لعدم الإفراط في التخوف والقلق.. وبالضرورة إسقاط عقلية الهزيمة. فلو نظرنا لمجمل التاريخ الفلسطيني سنجد أن هذا الوضع ليس بالجديد؛ فقد سبق للفلسطينيين أن واجهوا ظروفا أصعب، ومروا بمراحل أخطر، وكان الناس في كل

مرحلة يعتقدون أنها المرحلة الأشد خطرا، وأن النهاية باتت وشيكة.. ومع ذلك، تبين أنها كانت مجرد تخوفات وقلق مشروع.. لكن الفلسطينيين تجاوزوها، ورغم أنها كانت تترك آثارا سلبية، إلا أنه من جهة مقابلة كانت تبنى تراكمات نضالية، تعدل ولو قليلاً من السلبيات. أمام هذا كله، تبرز الحاجة الملحة أكثر من أي وقت سابق لتبني إستراتيجية فلسطينية شاملة، تعمل على استنهاض كل

عناصر القوة الفلسطينية.. وأهمها إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، والتمسك بوحدانية تمثيل منظمة التحرير، وتفعيلها، والعودة إلى الجماهير.. ومن لديه خلافات سياسية أو أيديولوجية مع السلطة، ليؤجلها قليلاً.. فمواجهة المخاطر الخارجية أسبق في أهميتها من نبش الخلافات الداخلية، مهما كانت ضرورية من وجهة نظر أصحابها. علينا أن نؤمن بعدالة قضيتنا، وبقدراتنا، وطاقات

شعبنا الخلاقة، وأنَّ أمتنا العربية معنا، وهي أمة حية، رغم كل ما أصابها من اعتلال.. وأن نؤمن بأنّ أحرار العالم معنا.. وأن ندرك أن صراعنا طويل وممتد.. وبالصمود والإستراتيجية الذكية نصنع قدرنا.. ونصنع نصرنا. ولا يعقل أن صراعا تاريخيا مضى عليه أكثر من قرن، وقدمت فيه تضحيات جسام، ونزفت فيها أنهار من الدماء.. صراع عميق وشامل، والأمة العربية في قلب هذا

الصراع، مهما بدا لنا غير ذلك، لا يعقل أن ينتهي بجرة قلم، من رئيس معتوه، أو من توصيات سياسي غِـر، عبر خطة أسموها صفقة القرن. إرادة الشعوب الحية أقوى من الدبابات، وهذه الأرض ستبقى فلسطينية عربية، وستبتلع وتمتص الغزوة الصهيونية كما فعلت مع خمسة وعشرين غازيا من قبل في تاريخها الطويل. كل ما يلزمنا الآن، جرعة أمل، فاليائسون لا يصنعون نصراً.

قد يهمك أيضا :   

الزواج المبكر، والمنطق الغريب

عن العقل السياسي العربي

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رغم كل ذلك، ثمة بارقة أمل رغم كل ذلك، ثمة بارقة أمل



GMT 22:40 2025 الإثنين ,20 كانون الثاني / يناير

ترمب... وما ورائيات الفوز الكبير

GMT 21:38 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

سيمافور المحطة!

GMT 21:36 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

يراها فاروق حسنى

GMT 21:34 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

«بكين» هل تنهي نزاع 40 عاماً؟ (2)

GMT 21:32 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

ماذا حل بالثمانيتين معاً؟

أفكار تنسيقات العيد مع الأحذية والحقائب مستوحاة من النجمات

القاهرة ـ فلسطين اليوم
مع اقتراب العيد، تبدأ رحلتنا في اختيار الإطلالة المثالية التي تجمع بين الأناقة والأنوثة، وتعد الأكسسوارات من أهم التفاصيل التي تصنع فرقاً كبيراً في الإطلالة، وخاصةً الحقيبة والحذاء، فهما لا يكملان اللوك فحسب، بل يعكسان ذوقك وشخصيتك أيضاً، ويمكن أن يساعدا في تغيير اللوك بالكامل، وإضافة لمسة حيوية للأزياء الناعمة، ولأن النجمات يعتبرن مصدر إلهام لأحدث صيحات الموضة، جمعنا لكِ إطلالات مميزة لهن، يمكنكِ استلهام أفكار تنسيقات العيد منها، سواء في الإطلالات النهارية اليومية، أو حتى المساء والمناسبات. تنسيق الأكسسوارات مع فستان أصفر على طريقة نسرين طافش مع حلول موسم الصيف، تبدأ نسرين طافش في اعتماد الإطلالات المفعمة بالحيوية، حيث تختار فساتين ذات ألوان مشرقة وجذابة تتناسب مع أجواء هذا الموسم، وفي واحدة من أحدث إطلالاتها، اختا...المزيد

GMT 07:51 2025 الإثنين ,02 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الميزان 02 يونيو / حزيران 2025

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 15:10 2016 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

مقتل مغامر فرنسي سقط من ارتفاع 100 قدم

GMT 11:56 2019 السبت ,13 تموز / يوليو

كبرى الشركات في قطر تُعلن عن وظائف شاغرة

GMT 11:05 2018 الأحد ,15 إبريل / نيسان

أجمل التصاميم والديكورات لكوشات أعراس 2018

GMT 03:01 2015 الجمعة ,04 كانون الأول / ديسمبر

ميشيل كيفان تخطف الأنظار بفستان مطرز وتاج من الألماس

GMT 16:50 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

أجواء باردة نسبيًا السبت والأحد ومنخفض جوي من الثلاثاء
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday