تأملات في عالم مُتغيّر 2
آخر تحديث GMT 08:54:07
 فلسطين اليوم -

تأملات في عالم مُتغيّر (2)

 فلسطين اليوم -

تأملات في عالم مُتغيّر 2

حسن خضر
بقلم :حسن خضر

توقفنا في مقالة سبقت عند انفصال السياسة عن القيم، وتجلياته في حالة ترامب، الشخص والظاهرة، بطريقة سافرة، وساخرة، وبذيئة تماماً. وخلصنا إلى فرضية أن في هذا ما يُميّز الشخص والظاهرة عن انفصال كان دائماً في صميم دوافع وسياسات التوسع والفتح على مدار قرون، مع ملاحظة أن أقنعة "القدر المتجلي"، و"عبء الرجل الأبيض"، وغيرها من التوليفات الأيديولوجية، كانت قشرة خارجية، وضرورة تجميلية، لتلك الدوافع والسياسات.

وخلصنا، أيضاً، إلى فرضية أن الانفصال في حالة ترامب الشخص والظاهرة لم يمكن ليحدث إلا بوصفه نتاجاً لمرحلة متقدمة من مراحل مجتمع الفرجة في إمبراطورية مأزومة. فحتى وقت قريب كان "امتهان" السياسة، لا في أميركا وحدها بل وفي كل مكان آخر، يعني قدراً من التجرّد المادي، والرفعة الأخلاقية، ناهيك عن المؤهلات "الوطنية"، و"الكفاءة" الذهنية، بما فيها المزاعم "الثقافية".
نعرف أن كل ما تقدّم كان، في حالات كثيرة، مجرّد أقنعة كاذبة، ومع ذلك كانت مطلوبة. والمُلاحظ في حالة ترامب، الشخص والظاهرة، أن كليهما لا يفتقر إلى صفات كهذه وحسب، بل ويوحي بعدم أهمية، أو ضرورة، هذا كله، أيضاً، فالأمور بخواتيمها، ولا قياس لشيء سوى بمسطرة الفوز والربح، حتى وإن نجما عن "البلف" والخداع، واللصوصية، والكذب. ومنشأ الخطورة، هنا، أن هذه نواقص تقليدية يُسهم الشخص والظاهرة في تطبيعها لا في أميركا وحسب، بل وفي كل مكان آخر.

ولا ينبغي التوقف عند هذا الحد، فثمة ما يستدعي التساؤل بشأن ما أسهم في صعود الشخص والظاهرة. سنضع هذا في إطار أوسع لاحقاً، ويكفي، الآن، الكلام عن ثلاثة روافع تتمثل في الخوف، والكراهية، والجنون القيامي. يختزل الخوف قلق قطاعات واسعة من البيض الأميركيين من فقدان مكان ومكانة الأغلبية. فالميزان الديمغرافي يميل لصالح الأميركيين من أصول أفريقية، وذوي البشرة الداكنة من أميركا اللاتينية، إضافة إلى مهاجرين من آسيا والشرق الأوسط. ويشكّل هؤلاء قرابة 40 بالمائة من السكّان في الوقت الحالي، ويمكن لهؤلاء، وبالنظر إلى ارتفاع معدلات الزيادة الطبيعية عن مثيلاتها لدى البيض، الوصول إلى مكان ومكانة الأغلبية قبل نهاية هذا القرن.

ومن المؤكد أن وصول أوباما، إلى البيت الأبيض، كأوّل رئيس من أصول أفريقية، قرع في أسماع قطاعات واسعة من البيض توصف بالأقل تعليماً، والمتضررين من "العولمة"، والخائفين من الهجرة، أكثر من جرس للإنذار. وفي هذا السياق تتموضع دعوة ترامب لبناء جدار على الحدود مع المكسيك. الكراهية نتاج طبيعي للخوف. وبهذا المعنى أسهم عالم العرب والمسلمين في صعود ترامب الشخص والظاهرة. فلا ينبغي التقليل من الآثار الكارثية بعيدة المدى للهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر، وما تلاها، من "قاعدة" و"دواعش"، وهجمات إرهابية في بلدان مختلفة.

فعالم العرب والمسلمين هو الذي أنجب كل هؤلاء، ولا يوجد لدى المواطن العادي، سواء في أميركا أو خارجها، ما يكفي من المعرفة، وحتى الصبر، لإدراك أن "الإسلام السياسي" كان جزءاً من لعبة الإمبراطورية، وأدواتها في زمن الحرب الباردة. كل ما في الأمر أن الإرهاب (معطوفاً على السبي، والانتحاريين، وجز الرؤوس، وتدمير الآثار، والمكتبات العامة) جدي وحقيقي ومخيف، وأنه وثيق الصلة، كما تقول نشرات الأخبار، بعالم العرب والمسلمين. وهنا، أيضاً، يتموضع قرار ترامب بعدم السماح لمواطني عدد من البلدان الإسلامية بدخول الولايات المتحدة.

ولنلاحظ أن اعتبارات السماح أو الحظر الترامبية انتقائية وحريصة على المنفعة المالية أكثر من حرصها على الأمن والقيم ومتساهلة في تشخيص المصدر والمُصدِّر الحقيقي للإرهاب (فكراً وجنوداً مشاة) ولكنها في كل الأحوال مُقنعة لناخبيه. أما الرافعة الثالثة، وهي الأخطر في كل الأحوال، فتتمثل في المسيحيين الإنجيليين، الذين يُعدّون بالملايين، وينتظرون قدوم المُخلّص، ويهيئون له أسباب النزول، ومنها عودة اليهود إلى "أرض الميعاد"، فهذا شرط ضروري من شروط القيامة، ولدى الكثيرين من هؤلاء قناعة بأن "الخلاص" لن يكتمل إلا باعتناق اليهود للمسيحية.

لا يتسع المجال، هنا، للاستفاضة في الشرح، كل ما في الأمر أن هذا الجنون القيامي جدي وحقيقي وفاعل لدى قطاعات واسعة من البروتستانت الأميركيين، ويمثل الطبعة الداعشية للمسيحية السياسية في صيغتها الإنجيلية، والسلمية حتى الآن، على الأقل. بيد أن الكلام عمّا تقدم من روافع لن يكتمل دون وضعها في سياق أعرض. فكلها أميركية، بقدر ما يُضفي عليها مجتمع الفرجة من خصوصيات وسمات وثيقة الصلة بالتجربة، والمجتمع الأميركيين. وثمة ما يبرر التفكير في سياق أعرض على خلفية التحليل البديع لأنطونيو نغري، ومايكل هارت، قبل عشرين عاماً في كتاب عمدة بعنوان "الإمبراطورية"، وقد عادا، مؤخراً، إلى الفرضية نفسها بعد صعود ترامب.

فالصعود لدى نيغري وهارت ليس ضد العولمة، وما يسم العالم من فوضى لا يهدد بتقويض نظام العولمة بل يمثل خصوصيته، وكذلك صعود الشعبويات، والقوميات البيضاء، والأزمات الاقتصادية، والمخاوف الاجتماعية. فكل ما تقدّم من حراك واضطراب في بنية النظام، الذي يشبه كائناً خرافياً متعدد الأذرع والأطراف، يمثل محاولة لتحسين المكان والمكانة من جانب قوى فاعلة في النظام، وما تنطوي عليه هذه وتلك من امتيازات. وخلاصتي: أن مجتمع الفرجة، في لحظة التنافس على مكان الأولوية، لم يجد مناصاً من نزع أقنعة أخلاقية وأيديولوجية لم تعد مجدية، وبهذا يتموضع انفصال السياسة عن القيم (حتى لدى الإنجيليين الذين يعتقدون أن ترامب، رغم عيوبه الفاضحة، هو أداة الرب) بوصفه الخيار الأكثر جاذبية في التنافس مع آخرين على ما يليق بأميركا المسيحية البيضاء، الخائفة، والمسكونة بالكراهية، من امتيازات في عالم تعولم.

قد يهمك أيضا :  

تأملات في عالم مُتغيِّر..!!

  سيناريو اليوم التالي في إيران..!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تأملات في عالم مُتغيّر 2 تأملات في عالم مُتغيّر 2



GMT 22:40 2025 الإثنين ,20 كانون الثاني / يناير

ترمب... وما ورائيات الفوز الكبير

GMT 21:38 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

سيمافور المحطة!

GMT 21:36 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

يراها فاروق حسنى

GMT 21:34 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

«بكين» هل تنهي نزاع 40 عاماً؟ (2)

GMT 21:32 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

ماذا حل بالثمانيتين معاً؟

أفكار تنسيقات العيد مع الأحذية والحقائب مستوحاة من النجمات

القاهرة ـ فلسطين اليوم
مع اقتراب العيد، تبدأ رحلتنا في اختيار الإطلالة المثالية التي تجمع بين الأناقة والأنوثة، وتعد الأكسسوارات من أهم التفاصيل التي تصنع فرقاً كبيراً في الإطلالة، وخاصةً الحقيبة والحذاء، فهما لا يكملان اللوك فحسب، بل يعكسان ذوقك وشخصيتك أيضاً، ويمكن أن يساعدا في تغيير اللوك بالكامل، وإضافة لمسة حيوية للأزياء الناعمة، ولأن النجمات يعتبرن مصدر إلهام لأحدث صيحات الموضة، جمعنا لكِ إطلالات مميزة لهن، يمكنكِ استلهام أفكار تنسيقات العيد منها، سواء في الإطلالات النهارية اليومية، أو حتى المساء والمناسبات. تنسيق الأكسسوارات مع فستان أصفر على طريقة نسرين طافش مع حلول موسم الصيف، تبدأ نسرين طافش في اعتماد الإطلالات المفعمة بالحيوية، حيث تختار فساتين ذات ألوان مشرقة وجذابة تتناسب مع أجواء هذا الموسم، وفي واحدة من أحدث إطلالاتها، اختا...المزيد

GMT 07:51 2025 الإثنين ,02 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الميزان 02 يونيو / حزيران 2025

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 15:10 2016 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

مقتل مغامر فرنسي سقط من ارتفاع 100 قدم

GMT 11:56 2019 السبت ,13 تموز / يوليو

كبرى الشركات في قطر تُعلن عن وظائف شاغرة

GMT 11:05 2018 الأحد ,15 إبريل / نيسان

أجمل التصاميم والديكورات لكوشات أعراس 2018

GMT 03:01 2015 الجمعة ,04 كانون الأول / ديسمبر

ميشيل كيفان تخطف الأنظار بفستان مطرز وتاج من الألماس

GMT 16:50 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

أجواء باردة نسبيًا السبت والأحد ومنخفض جوي من الثلاثاء
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday