الاتّكالُ على أميركا رهانٌ مُقلِق
آخر تحديث GMT 08:54:07
 فلسطين اليوم -

الاتّكالُ على أميركا رهانٌ مُقلِق

 فلسطين اليوم -

الاتّكالُ على أميركا رهانٌ مُقلِق

سجعان القزي
سجعان قزي- فلسطين اليوم

تواكبُ الولاياتُ المتّحدةُ الأميركيّة الأحداثَ الجاريةَ في لبنان لسببَين على الأقل: تأييدُها التقليديُّ للبنان، ومناهضتُها النفوذَ الإيرانيَّ فيه. السببُ الأوّلُ يجعل لبنانَ بالنسبةِ للأميركيّين كلًّا من كلٍّ، والكلُّ هنا هو لبنانُ بحدِّ ذاته. والسببُ الآخَر يَجعل لبنانَ جُزءًا من كلّ، والكلُّ هنا هو الشرقُ الأوسَط الموسَّع. في السببِ الأوّل لبنانُ هو الغايةُ، وفي السببِ الآخَر لبنانُ هو الوسيلة. هذه الازدواجية تُقلِقني لأنَّ السوابقَ التاريخيّةَ منذ سنةِ 1958 أثبَتت أنَّ واشنطن ضَحّت مرارًا بمصلحةِ لبنان (السيادةُ والاستقلالُ والتوازنُ الديمغرافيّ) لحسابِ أولويّاتِها الأخرى في المنطقة.

مأخذُنا على واشنطن لا يُلغي مسؤوليّةَ الدولةِ اللبنانيّةفي جهلِ كيفيّةِ التعاطي مع الإداراتِ الأميركيّة المتعاقِبَة، وفي فشلِها في جعلِ القضيّةِ اللبنانيّةِ مصدرَ اهتمامٍ خاصٍّ لدى هذه الإدارات، خصوصًا أنَّ لبنانَ يَمتلكُ أوراقًا هامّةً للتأثيرِ في واشنطن وفي طليعتِها الأميركيّون من أصلٍ لبنانيّ. غير أنَّ الدولةَ اللبنانيّةَ عِوضَ أن تجعَلَ القضيّةَ اللبنانية مِحورَ علاقاتِـها مع الولاياتِ المتّحدةِ الأميركيّة، طَرحَت قضايا الآخرين: بين الستّينات والسبعينات كرَّست الدولةُ اللبنانيّةُ علاقتَها مع واشنطن للدفاعِ عن القضيّةِ الفِلسطينيّة، ومن التسعينات حتى الآن للدفاعِ عن الوجودِ السوريِّ تارة، وعن سلاحِ حزبِ الله تارة أخرى. وفي كل الحالات رَفعت لواءَ العَداءِ الـمُفرِط لإسرائيل، فيما الفلسطينيّون والعربُ تصالحوا معها. بمعنى آخَر، رَفعَ لبنانُ لِواءَ الدفاعِ عن الأطرافِ الّذين هم على عَداءٍ مع واشنطن، ولِواءَ العداءِ تجاه الطرفِ الذي هو حليفُها الأساسيّ. فلا ربِـحنا الّذين دافَعنا عنهم ولا ربِـحنا أميركا.

الإشكاليّةُ اليومَ أنَّ اللبنانيّين، دولةً وأحزابًا، لا يفاوضون أميركا. فمِنهم من يَقبلُ الموقفَ الأميركيَّ من دونِ مناقشةٍ، ومنهم من يَرفُضه من دون تقديمِ بديل. وانقسَموا بين مَن يَعتبر أميركا سلفًا حليفًا ولو ضَحّت بمصلحةِ لبنان، وبين مَن يَعتبرُها سلفًا عدوًّا ولو حَفِظت مصلحتَه.
إنَّ لبنانَ يحتاجُ تأييدَ أميركا لأنّها لاعبٌ أساسيٌّ في جميع القضايا المؤثّرةِ جوهرًا أو عَرَضًا على وجوده. وأبرزُ هذه القضايا: 1) مساعدةُ لبنان على النهوضِ اقتصاديًّا وماليًّا. 2) تزويدُ الجيشِ اللبنانيِّ بالتجهيزاتِ العسكريّةِ الحديثة. 3) التوسّطُ مع إسرائيل لترسيمِ الحدودِ الجنوبيّةِ البَريّةِ والبحريّةِ. 4) تأمينُ استخراجِ النفطِ في الحقولِ المتنازَعِ عليها وتسويقُه. 5) دعمُ تنفيذِ مجموعةِ القراراتِ الدوليّةِ بشأنِ لبنان وتوسيعُ نطاقِ تطبيقِها. 6) تسهيلُ عودةِ النازحين السوريّين قبلَ الحلِّ السياسيِّ النهائيِّ للحربِ السوريّة. 7) المشاركةُ في إيجادِ حلٍّ لوجودِ اللاجئين الفِلسطينيّين. 8) الحدُّ من النفوذِ الإيرانيِّ المباشَر وغيرِ المباشَر. 9) تثبيتُ حدودِ لبنان الدوليّةِ بموازاةِ التحوّلاتِ الكيانيّةِ الجاريةِ في الشرقِ الأوسط. 10) رعايةُ مفاوضاتِ السلام العربيّةِ/الإسرائيليّة.

إذا كان الموقفُ الأميركيُّ إيجابيًّا تجاه غالِبيّةِ هذه القضايا، فإنّه سلبيُّ المواقِف تجاهَ قضيّتين وغامضُ النتائج تجاه قضيّةٍ واحدةٍ. هو إيجابيٌّ حيالَ المساعداتِ الماليّةِ، والجيشِ اللبنانيِّ، والقراراتِ الدوليّةِ، والحدِّ من النفوذِ الإيرانيِّ، وتثبيتِ الحدودِ، واستخراجِ النفطِ، ومفاوضاتِ السلام. وهو سلبيُّ المواقفِ حيالَ عودةِ النازحين السوريّين والتوطينِ الفلسطينيِّ، وهما الموضوعان الأكثرُ خطورةً على هُوّيةِ لبنان وديمغرافيّتِه وتوازنِه وصيغتِه، وبالتالي على وِحدتِه. فالولاياتُ المتّحدةُ الأميركيّةُ تؤيّدُ توطينَ اللاجئين الفِلسطينيّين وتعارضُ عودةَ النازحين السوريّين الآن، لا بل تُشجِّعُ اندماجَ جُزءٍ منهم في المجتمعِ اللبنانيّ. وهو غامِضُ النتائج تجاه موضوعِ إيران/حزب الله.
الولاياتُ المتّحدةُ الأميركيّةُ، تَشُنُّ حربًا اقتصاديّةً على إيران وتَضرِب حِصارًا عليها، وتَفرِضُ عقوباتٍ على حزبِ الله بقصدِ الحدِّ من هذا المحورِ في لبنانَ والشرقِ الأوسط. بقدْرِ ما يجب أن نستفيدَ من أيِّ فرصةٍ لكي تَستعيدَ دولتُنا اللبنانيّةُ قرارَها الوطنيَّ المستقِلّ وأن تَضعَ حدًّا لازدواجيّةِ السلاح، لا نستطيعُ بالمقابل تَحمُّلَ أعباءِ المشروعِ الأميركيِّ الكبير ولا مشروعِ إيران/حزب الله.نريدُ أن نكونَ جُزءًا من سلامِ المنطقة لا من حروبِها.

وما يُثير قلقَنا أنَّ واشنطنتريد أن تُنفّذَ مشروعَها من دون أن تكونَ مستعدّةً لدفعِ ثمنِه. ظَهرَ ذلك في انهزاميّةِ الموقفِ الأميركيِّ تجاه اعتداءاتِ إيران على السفنِ في الخليجِ، وإسقاطِ الطائرةِ الأميركيّةِ المسيَّرة، وقَصفِ منشآتِ النفطِ السعوديّة، وفي تَخلّيها عن الأكراد.فما لم يَقع في صفوفِ رعاياها أو جنودِها ضحايا جَرّاءَ اعتداءٍ إيرانيٍّ محتَملٍ، تكتفيأميركا بمفعولِ العقوباتِ الاقتصاديّةِ والماليّةِ، وبانتفاضةِ الشعوبِ في لبنان والعراق والداخلِ الإيرانيِّ، بانتظارِ تنازلاتٍ إيرانيّةٍ سلميًّا أو انتهاءِ الانتخاباتِ الرئاسيّةِ الأميركيّة لإعادةِ تقييمِ الوضع.

هكذا، يُصبح لبنان ورقةً في المفاوضاتِ الأميركيّةِ/الإيرانيّة، إذ لا شيءَ يَضمَنُعدمَ تراجعِ واشنطن عن دعمِ انتفاضةِ الشعبِ اللبنانيِّ في حالِ تَوصَّلت إلى تسويةٍ مع إيران حولَ الملفِّ النوويِّ أو حولَأحدِ ملفّاتِ الشرق الأوسط. ومع أنَّ المسؤولين في الخارجيّةِالأميركيّةِ يعلنون العكسَ ويؤكّدون أن أميركا قررت نهائيًّا "اعتمادَ لبنان" في المشرقِ وإحياءَ دورِه الاقتصاديِّ والثقافّي، لا يَضمَنُأحدٌ منهم ثباتَهذا الموقفِ في ظلِّ رئاسةِ دونالد ترامب.

إنَّ تصميمَ أميركا على "دحرِ" إيران قائمٌ منذ أن احتجَزت الثورةُ الخمينيّةُ فريقَ السفارةِ الأميركيّةِ في 04 تشرين الثاني 1979. لكنَّ أميركا خَسِرت سياسيًّا جميعَ انتصاراتِها العسكريّةِ في المنطقةِ واستفادت منها إيران في أفغانستان والخليجِ والعراق وسوريا واليمن وصولًا إلى لبنان. حتّى التسويةُ حولَ الملفِّ النوويِّ اعتبرَتها الإدارةُ الأميركية الحاليّة تنازلًا قدَّمه الرئيس السابق باراك أوباما لإيران.

إنَّ التعاونَالوثيقَ مع أميركا ضروريٌّ، لكن يجب أن يُرافقَه "تأمينٌ على الحياة". من هنا أهميّةُ "مجموعةِ الدعمِ الدوليّةِ" التي ستتحوّل تدريجًا من مجموعةِ إنقاذِ اقتصادِ لبنان إلى مؤتمرٍ دوليٍّ يَرعى مصيرَ لبنانَ السياسيِّ المهَدَّدِ مثلَ لبنان الاقتصاديِّ. حين لا يؤدّي الاستقلالُ إلى الوِحدةِ، ولا يَصُبُّ التحريرُ في الدولةِ، يعتذرُالاستقلالُ والتحريرُ من السيادةِويُعيدان الأمانةَ إلى الانتداب. وأصلًا، من استعجَلَ الشيءَ حُرِمَ منه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاتّكالُ على أميركا رهانٌ مُقلِق الاتّكالُ على أميركا رهانٌ مُقلِق



GMT 22:40 2025 الإثنين ,20 كانون الثاني / يناير

ترمب... وما ورائيات الفوز الكبير

GMT 21:38 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

سيمافور المحطة!

GMT 21:36 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

يراها فاروق حسنى

GMT 21:34 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

«بكين» هل تنهي نزاع 40 عاماً؟ (2)

GMT 21:32 2023 الإثنين ,13 آذار/ مارس

ماذا حل بالثمانيتين معاً؟

أفكار تنسيقات العيد مع الأحذية والحقائب مستوحاة من النجمات

القاهرة ـ فلسطين اليوم
مع اقتراب العيد، تبدأ رحلتنا في اختيار الإطلالة المثالية التي تجمع بين الأناقة والأنوثة، وتعد الأكسسوارات من أهم التفاصيل التي تصنع فرقاً كبيراً في الإطلالة، وخاصةً الحقيبة والحذاء، فهما لا يكملان اللوك فحسب، بل يعكسان ذوقك وشخصيتك أيضاً، ويمكن أن يساعدا في تغيير اللوك بالكامل، وإضافة لمسة حيوية للأزياء الناعمة، ولأن النجمات يعتبرن مصدر إلهام لأحدث صيحات الموضة، جمعنا لكِ إطلالات مميزة لهن، يمكنكِ استلهام أفكار تنسيقات العيد منها، سواء في الإطلالات النهارية اليومية، أو حتى المساء والمناسبات. تنسيق الأكسسوارات مع فستان أصفر على طريقة نسرين طافش مع حلول موسم الصيف، تبدأ نسرين طافش في اعتماد الإطلالات المفعمة بالحيوية، حيث تختار فساتين ذات ألوان مشرقة وجذابة تتناسب مع أجواء هذا الموسم، وفي واحدة من أحدث إطلالاتها، اختا...المزيد

GMT 07:51 2025 الإثنين ,02 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الميزان 02 يونيو / حزيران 2025

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 15:10 2016 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

مقتل مغامر فرنسي سقط من ارتفاع 100 قدم

GMT 11:56 2019 السبت ,13 تموز / يوليو

كبرى الشركات في قطر تُعلن عن وظائف شاغرة

GMT 11:05 2018 الأحد ,15 إبريل / نيسان

أجمل التصاميم والديكورات لكوشات أعراس 2018

GMT 03:01 2015 الجمعة ,04 كانون الأول / ديسمبر

ميشيل كيفان تخطف الأنظار بفستان مطرز وتاج من الألماس

GMT 16:50 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

أجواء باردة نسبيًا السبت والأحد ومنخفض جوي من الثلاثاء
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday