دولة القانون تغير الناس
آخر تحديث GMT 08:54:07
 فلسطين اليوم -

دولة القانون تغير الناس

 فلسطين اليوم -

دولة القانون تغير الناس

بقلم : عمرو الشوبكي

السؤال الذى يُطرح فى مجتمعاتنا عن طبيعة الشعوب الجاهلة غير المؤهلة للديمقراطية وسلوكيات التخلف والبذاءة والانحدار الأخلاقى والمهنى يتجاهل الإطار العشوائى الذى يعيش فيه معظم الناس، وقيام الدولة نفسها بإهدار القانون والدستور، وأى قاعدة تضعها وبمحض إرادتها ودون مشاركة أو ضغوط من أحد، تكون هى نفسها أول من يهدرها.. فكيف نطالب الناس باحترام القانون فى دولة لا تحترم أصلا القانون؟!

يقيناً أن ممارسة السياسة فى كثير من البلاد الديمقراطية التى تعيش فى ظل سطوة القانون (وليس سطوة الأمن والبلطجة) مثل ما جرى مؤخرا فى الانتخابات الرئاسية الفرنسية وقبلها الأمريكية وغيرها من التجارب الانتخابية فى بلاد تعرف دولة قانون وليس ديمقراطية كاملة، فإن سطوة القانون تمثل حاجزا قويا أمام الانجراف نحو السلطة المطلقة ونحو نمط من الصراع السياسى الذى لا يفيد المجتمع ولا يساعد على تطوره ويفتعل معارك لا علاقة لها بواقع الناس ولا مشاكلهم المعيشة، رغم أنها تستهوى بعضهم، وتتحول القضايا الهامشية والتافهة والبذاءة والتهم الباطلة إلى نمط الحوار السياسى تحت رعاية ومباركة أجهزة الدولة ويصبح القانون فى إجازة بقرار دولة وليس بقرار مجتمع.

ولعل من شاهد المناظرة الأخيرة بين الرئيس الفرنسى المنتخب إيمانويل ماكرون والمرشحة الخاسرة مارين لوبان سيكتشف أن سقف القانون وسطوته مثل عنصر الردع الرئيسى لكلا المرشحين أثناء حملتهما الانتخابية رغم اختلافهما، وليس بالضرورة الأدب والدماثة الشخصية، فحين تساءلت مارين عن حقيقة وجود حساب لماكرون خارج حدود فرنسا اعتبر الأمر وفق القانون «اتهاما باطلا» دفعه إلى تقديم بلاغ للنائب العام ومقاضاتها أمام القضاء الفرنسى.

وعلينا أن نتصور حجم الشتائم والاتهامات الباطلة التى تلقى كل يوم فى مصر على من تبقى من سياسيين ومن رجال أعمال ومن شخصيات عامة إذا انتقدوا وضعاً رأوه خاطئا أو اعتبروا أنفسهم معارضين، وهنا نجد أن أجهزة الدولة تنتقل من دور المحايد والضامن لتطبيق القانون وحراسة العدالة إلى نموذج (يحذو حذوه الكثيرون) فى إهداره.

كما شهدت تجربة الانتخابات الرئاسية الفرنسية حدثين شخصيين ظلا غير معتادين فى فرنسا وفى أى بلد آخر فى العالم: الأولى هى زواج ماكرون من سيدة تكبره بـ24 عاما، ورغم فجاجة منافسته مارين لوبان، المعروفة بقلة أدبها، لم تمس هذا الجانب طوال حملتها الانتخابية وأثناء المناظرة الحادة والعنيفة، باعتباره أمرا يتعلق بحياته الشخصية المصونة، كما أن كل الصحافة الفرنسية الكبرى فى فرنسا لم تتعرض مطلقا لهذا الموضوع، وكذلك وسائل الإعلام المرئية والمسموعة (بعيدا عن مواقع التواصل الاجتماعى) التى يتابعها 80% من الفرنسيين، ونفس الأمر تعلق بماكرون حين لم يعلق على قيام مارين بطرد والدها، مؤسس حزب الجبهة الوطنية، من الحزب بل وحرمانه من دخوله. ورغم قسوة وفجاجة ما فعلت، ولكنه كان نتاج تصويت ديمقراطى داخلى، فلم يعلق عليه أحد.

واللافت أن الصحافة الفرنسية التى هاجمت بشدة مارين لوبان لم تتعرض مطلقا لهذه الزاوية، أى زاوية كيف تطرد أباها من الحزب، لأن الأمر مهما كانت قسوته إنسانيا، إلا أنه تم وفق القانون وقواعد الديمقراطية حتى لو هاجمتها بشدة فى كل آرائها السياسية.

صحيح أن هناك جوانب أخرى تتعلق بسلوك المجتمع وثقافته ودرجة تحضره التى حدثت عبر تراكم صنعته دولة القانون وليس نتيجة طبيعة «جينية» خاصة تقول إن التحضر سمة تخص الأوروبيين لا العرب.

مازلت أذكر فى منتصف تسعينيات القرن الماضى حين كنت طالبا فى باريس وحدث إضراب للمواصلات العامة فى عهد الرئيس شيراك يمكن وصفه بالاستثنائى لأن المترو والباصات توقفت تماما، وليس كما كان معتادا أن يكون الإضراب جزئيا، أى يشمل المترو ولا يشمل الباصات، أو تتوقف عربتان للمترو عن العمل وتعمل واحدة، ولكن هذه المرة توقفت بشكل كامل كل صور الحياة العامة، واضطر أغلب الناس للسير على الأقدام أو ركوب الدراجات، والقلة بحثت عن سيارة أجرة نادرة.

سلوك الناس فى الهجوم على سيارة التاكسى إذا شاهدوها كان صادما بالنسبة لى، وحجم الشجار بينهم من أجل الركوب قبل الآخرين تحول إلى سلوك مصرى بامتياز نراه من أجل السعى وراء مقعد فى باص عام أو فى ميكروباص، وغابت كل المشاهد الراقية التى كانت تحكم الشارع الفرنسى فى التعامل مع العجائز والسيدات، رغم التراكم الحضارى وعمق الثقافة، لأن الواقع الاجتماعى تغير للأسوأ، ولأن القانون الذى ينظم سلوكيات الناس تراجع مع غياب الأساس المادى الذى يقوم عليه فشهدنا هذه السلوكيات.

نظريات نظم الفشل عن الشعوب الجاهلة غير المهيأة للديمقراطية لا تنظر للأمية على أنها تحد يجب مواجهته إنما تعتبرها فرصة للتهرب من مسؤوليتها فى بناء دولة القانون القادرة بمفردها على تغيير سلوك الناس ووضع قواعد وضوابط قانونية للعملية السياسية وللتنافس السياسى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دولة القانون تغير الناس دولة القانون تغير الناس



GMT 04:16 2019 الأربعاء ,03 تموز / يوليو

تحية للشعب السوداني

GMT 02:15 2019 الخميس ,27 حزيران / يونيو

الاقتصاد في مواجهة السياسة

GMT 04:59 2019 الأحد ,12 أيار / مايو

ظاهرة عادل إمام

GMT 03:31 2019 الأحد ,28 إبريل / نيسان

وبدأت الجزيرة

GMT 09:27 2019 الجمعة ,15 آذار/ مارس

الجزائر على طريق النجاح

أفكار تنسيقات العيد مع الأحذية والحقائب مستوحاة من النجمات

القاهرة ـ فلسطين اليوم
مع اقتراب العيد، تبدأ رحلتنا في اختيار الإطلالة المثالية التي تجمع بين الأناقة والأنوثة، وتعد الأكسسوارات من أهم التفاصيل التي تصنع فرقاً كبيراً في الإطلالة، وخاصةً الحقيبة والحذاء، فهما لا يكملان اللوك فحسب، بل يعكسان ذوقك وشخصيتك أيضاً، ويمكن أن يساعدا في تغيير اللوك بالكامل، وإضافة لمسة حيوية للأزياء الناعمة، ولأن النجمات يعتبرن مصدر إلهام لأحدث صيحات الموضة، جمعنا لكِ إطلالات مميزة لهن، يمكنكِ استلهام أفكار تنسيقات العيد منها، سواء في الإطلالات النهارية اليومية، أو حتى المساء والمناسبات. تنسيق الأكسسوارات مع فستان أصفر على طريقة نسرين طافش مع حلول موسم الصيف، تبدأ نسرين طافش في اعتماد الإطلالات المفعمة بالحيوية، حيث تختار فساتين ذات ألوان مشرقة وجذابة تتناسب مع أجواء هذا الموسم، وفي واحدة من أحدث إطلالاتها، اختا...المزيد

GMT 07:51 2025 الإثنين ,02 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الميزان 02 يونيو / حزيران 2025

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 15:10 2016 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

مقتل مغامر فرنسي سقط من ارتفاع 100 قدم

GMT 11:56 2019 السبت ,13 تموز / يوليو

كبرى الشركات في قطر تُعلن عن وظائف شاغرة

GMT 11:05 2018 الأحد ,15 إبريل / نيسان

أجمل التصاميم والديكورات لكوشات أعراس 2018

GMT 03:01 2015 الجمعة ,04 كانون الأول / ديسمبر

ميشيل كيفان تخطف الأنظار بفستان مطرز وتاج من الألماس

GMT 16:50 2016 السبت ,10 كانون الأول / ديسمبر

أجواء باردة نسبيًا السبت والأحد ومنخفض جوي من الثلاثاء

GMT 02:37 2024 الخميس ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

ميتا تضيف إعلانات إلى ثريدز بدءًا من العام المقبل

GMT 14:44 2019 الثلاثاء ,02 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday