من يستعيد الإسلام من مختطفيه
آخر تحديث GMT 07:17:10
 فلسطين اليوم -

من يستعيد الإسلام من مختطفيه؟

 فلسطين اليوم -

من يستعيد الإسلام من مختطفيه

بقلم : رضوان السيد

يطرح الحدث الأردنيّ المأساويّ أسئلة كثيرة، خصوصاً أنّ له سابقة وقعت في قلعة الكرك عام 2016. يومها دارت مواجهة بين متطرّفين من “داعش” ورجال الأمن، وأمّا في قرية حمود فاستهدف متطرّفون مسيحيّين كانوا يشيّعون جنازة.

من الأسئلة المطروحة: هل بات التطرّف متجذّراً إلى ما وراء “القاعدة” و”داعش”، وصار يتكوّن في خلايا مستقلّة أو محليّة بمنطق الذئاب المنفردة؟ ما الذي يعنيه ذلك من هشاشة في التماسك المجتمعيّ، وفي القدرة على استعمال الدين واستغلاله؟

قبل عامٍ ونصف هوجمت كنيسةٌ للروم الأرثوذكس في دمشق، وقُتل فيها ما يزيد على العشرين كانوا يصلّون. وقد ذكرت السلطات وقتها أنّ القَتَلة من “داعش”، الذي أصدر بياناً افتخر فيه بالجريمة النكراء!

لذلك جريمة الكرك، وقد أعلنت مديريّة الأمن العامّ القبض فجر أمس على المنفّذين الثلاثة بعد اشتباك مسلّح معهم، أفظع مع أنّه لا قتل أفظع من قتْل، فقد جاء في القرآن الكريم أنّ {من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً} (سورة المائدة: الآية 32).

جريمة الكرك أفظع لأنّ قوّات الأمن ذكرت أنّ القتلة شكّلوا خليّةً في القرية وكانوا ينتظرون الفرصة لارتكاب جريمتهم الإرهابيّة. فالعمليّات الإرهابيّة منذ خمسة عقودٍ وأكثر ما عادت تحتاج في ارتكاباتها إلى التنظيم الموجِّه أو الصانع، كما أنّه ما عاد ضروريّاً أن يكون الفاعل أو الفاعلون ذئاباً منفردةً، بل صارت هناك “ثقافة” إجراميّة تكفيريّة تُنتج نفسها بنفسها ومن دون توجيهات مباشرة. هؤلاء أناس يقتلون ويتعمّدون الاستهداف والإثارة كأنّما هم لا يأبهون للسلطات ولا لاشمئزاز الجمهور.
الإسلاموفوبيا منتشرة في سائر أنحاء العالم بسبب أفعال أولئك الذين يعيثون في الأرض فساداً باسم الإسلام

ثقافة العنف باسم الدّين

بيد أنّ الأهمّ في هذا السياق الارتياع الذي يسيطر عندما نكتشف أنّ ثقافة العنف باسم الدين توطّنت بالمجتمع، وما عاد يفيد التعليل بالفقر أو الاضطهاد أو العداء للدولة الوطنيّة. خليّة الكرك تعلن أنّ هؤلاء المجرمين يعيشون في مجتمعاتنا آمنين،  وهم يتصرّفون ضدّ الآخرين ديناً أو مذهباً عن اعتقادٍ أنّ القتل مباحٌ ضدّ “الكفّار” من جيرانهم والعائشين معهم منذ دهور.

يعني ذلك أنّ هذه “الثقافة” المتوحّشة ناجمة عن “تربية”، إذا صحّ التعبير، شاركت في صناعتها عناصر عديدة واسعة الانتشار، وعلى مدى عقودٍ وعقود.

“القاعدة” ثمّ “داعش”

إنّها في الأصل الثقافة التي تأسّست عليها “القاعدة”. فقد شكّل أسامة بن لادن تحالفه لمقاتلة اليهود والنصارى عام 1998. وارتكب تنظيم “الدولة الإسلاميّة” مذابح طائفيّةً في العراق منجزاً حرباً أهليّة (2005-2007). وظهرت لديهما خلال ذلك وبعده فكرة إقامة الدولة أو دولة الخلافة.

أمّا القتلة السابقون فقد كانوا يريدون تطبيق الشريعة بالقوّة، وكلُّ هذه الأفكار القاتلة تصاعدت الدعاوى بشأنها منذ ستّينيّات القرن العشرين. وبعد الضربات القاسية التي تعرّض لها صنّاع العنف ومنظّموه باسم الدين أو الشريعة أو الدولة، تشرذموا أو مضوا باتّجاه غرب إفريقيا. لكنّ هذا التدريب على التوحّش، صار متغلغلاً في المجتمعات بأفواه وأيدي معلّمين متشدّدين يعلّلون ممارسة القتل بالتكفير للمختلف ديناً أو مذهباً. وهو توجُّهٌ لا يقبله عقلٌ ولا دينٌ ولا عيشٌ في مجتمعاتنا ومع العالم.

لذلك تثير النزعةُ الاعتذاريّة لدى بعض ذوي النوايا الحسنة والذين استنكروا جريمة الكرك على أساس أنّ المسيحيّين هم أهل ذمّة المسلمين لا تُباحُ دماؤهم ولا ممتلكاتُهم الاستغرابَ. أنّ الحرمة التي يحقّقها عقد الذمّة هي من مواريث العصور الوسيطة، وقد انتهت حتّى في آثارها القانونيّة منذ منتصف القرن التاسع عشر مع صدور القوانين الإصلاحيّة في السلطنة العثمانيّة.
لا ينبغي نسيان جرائم العنف ضدّ الآخر باسم الإسلام، سواء في أوروبا أو في دمشق والكرك

ثقافة المواطنة والعيش المشترك

نحن نعيش معاً في الدول الوطنيّة في ظلّ ثقافة المواطنة وحقوقها وواجباتها وفي ما وراء الأديان والإثنيّات والألوان والألسنة واللغات. ثقافة المواطنة هي ثقافة العيش المشترك التي لا فضل في نطاقها لأحدٍ على أحد. بالطبع ليس من حقّ مواطنٍ الاعتداء على آخر بحجّة الدين أو الإثنيّة أو أوهام الهويّة.

على أيّ حال فإنّ هؤلاء المجرمين يتجاهلون كلَّ هذه الاعتبارات ويقتلون جيرانهم في معابدهم، لا لشيء إلّا الاختلاف في الدين، وهو الاختلاف الذي اعتبره القرآن مدعاةً للتعارُف والبرّ والقِسط.

تبيَّن بعد عقودٍ من الاحتجاج على المتطرّفين العنيفين بسلام القرآن وسماحته ودعوته للبرّ والقِسط مع الآخرين، أنّ كلام الاعتدال والاستنارة ظلَّ ضعيف التأثير. وبالطبع فإنّ السواد الأعظم من المسلمين يظلُّ ضدّ العنف؛ إنّما السؤال: لماذا لا يتمتّع المتديّنون بالمناعة تجاه شعبويّات وهمجيّات هذا القتل الذي لا تنتهي دماؤه وجرائمه في دواخلنا ومع الخارج؟

الإسلام

إنّها ثقافة العنف المتغلغلة في بعض الأوساط. وإنّما السؤال: لماذا أمكن للعنف ضدّ الآخرين أن ينشأ في أيّ وسطٍ وباسم الدين، وأن يظلّ  بعد عقود مستمرّاً في ارتكاب جرائم الكراهية؟

الدّين قوّة ناعمة

كان الدين دائماً، وهو قوّةٌ ناعمة، حاضناً للسكينة في مجتمعاتنا. ثمّ ظهر الذين يريدون تحويله إلى تنظيم مقاتل، وهو الأمر الذي لا يصلح له الإسلام. بيد أنّ استمرار العنف باسمه يحوّله، وهو الدين العالميّ الكبير، عبئاً على معتنقيه المنتشرين في العالم الأوسع. أعدادنا تزيد على مليار ونصف مليار، لكنّ الإسلاموفوبيا منتشرة في سائر أنحاء العالم بسبب أفعال أولئك الذين يعيثون في الأرض فساداً باسم الإسلام. بل إنّ هذه الثقافة المتحجّرة تهدّد مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة بالتنابذ والانقسام.
ما حصل في الكرك ودمشق ليس أحداثاً منعزلة أو منفردة. وكلٌّ منّا نحن المؤمنين بسلام الدين، وسلام وسلامة الأوطان، يتحمّل جزءاً من المسؤوليّة عمّا جرى

لا ينبغي نسيان جرائم العنف ضدّ الآخر باسم الإسلام، سواء في أوروبا أو في دمشق والكرك. وكلّ الجهود ينبغي أن تتّجه لاستعادة المناعة والسكينة، أو تتصاعد موجة الإعراض عن الإسلام في أوساط شبابنا، بقدر تصاعد موجات العنف التكفيريّ بفعل الجهلة والمتشدّدين وذوي النوايا والمخطّطات السيّئة.

ما حصل في الكرك ودمشق ليس أحداثاً منعزلة أو منفردة. وكلٌّ منّا نحن المؤمنين بسلام الدين، وسلام وسلامة الأوطان، يتحمّل جزءاً من المسؤوليّة عمّا جرى.

في العام 2003 قال وزير الدفاع الأميركيّ دونالد رامسفيلد إنّ المتطرّفين اختطفوا الإسلام، وعلى الأميركيّين مساعدة المعتدلين على استعادة دينهم من مختطفيه: فهل ننتظر الأميركيّين لاستعادة زمام الدين من المجرمين؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من يستعيد الإسلام من مختطفيه من يستعيد الإسلام من مختطفيه



GMT 02:42 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

أول عسكري وآخر مدني... انقلاب وشيك

GMT 02:41 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الشيخ الأردني: أنا من ربْع عيسى يا ولدي

GMT 02:38 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ريال مدريد وبرشلونة.. الموسم بدأ من هنا

GMT 02:35 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

من تيريز هلسا إلى طريقة في استنكار الجرائم الطائفيّة

GMT 02:33 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

التركيز الاستراتيجي لتسجيل الأهداف

GMT 02:32 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

نتنياهو خاسر رابح... وربما العكس!

GMT 02:30 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

طرابلس في مرايا العودة

GMT 02:29 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

المسيحيون العرب... شراكة حضارة ومصير

الوردي يتصدر إطلالات النجمات على السجادات الحمراء تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي

القاهرة ـ فلسطين اليوم
تزامناً مع ختام شهر أكتوبر/تشرين الأول، شهر التوعية بسرطان الثدي الذي يكتسب فيه اللون الوردي دلالة إنسانية ورمزية خاصة، حضرت تدرّجات الوردي بقوة على السجادات الحمراء العالمية والعربية باختيارات استثنائية راوحت بين النعومة والجرأة، لتستعرض النجمات أحدث صيحات الموضة التي تجمع بين الرقي ودعم الرسائل الإنسانية. وتألقت العارضة وأيقونة الموضة العالمية هايلي بيبر في حفل متحف الأكاديمية (Academy Museum Gala) بفستان مُصمْم لها خصيصاً باللون الوردي الفاتح من توقيع دار "شانيل" (Chanel) تحت إدارة ماتيو بلازي؛ حيث تميز التصميم بقصّة العمود المنسدلة وفتحة ظهر منخفضة، إلى جانب تطريز دقيق حول الياقة المرتفعة بستايل الهالتر بخرز متلألئ وسلاسل ناعمة ولمسات ذهبية، لتؤكد أن الوردي هو الخيار الأرقى في ختام الشهر الوردي. ومن جانبها، خطفت النجمة ال...المزيد

GMT 09:27 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

تجنب الخيبات والارتباك وحافظ على رباطة جأشك

GMT 01:25 2025 الإثنين ,02 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجوزاء الإثنين 02 يونيو / حزيران 2025

GMT 13:20 2020 الجمعة ,03 كانون الثاني / يناير

تنجح في عمل درسته جيداً وأخذ منك الكثير من الوقت

GMT 10:34 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ابتعد عن النقاش والجدال لتخطي الأمور

GMT 17:36 2020 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 07:29 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

تعيش أجواء ممتازة في حياتك المهنية والعاطفية

GMT 07:20 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

اكتشفي حيل ذكية للتخلص من بقع الملابس

GMT 02:54 2014 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

"دار التأثيث" تطلق ستائر راقية تشعّ فخامة وأناقة

GMT 10:00 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

تبدو مرهف الحس فتتأثر بمشاعر المحيطين بك

GMT 22:30 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

متعة السفر إلى إنترلاكن الشهيرة ببحيراتها
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday