الفتاة الفلسطينية إسراء غريب

على الرغم من أن عام 2019 مر حتى الآن بالضفة الغربية المحتلة دون جرائم قتل على خلفية ما يُسمى "شرف العائلة" مقارنة بأعوام سابقة، إلا أن هذه المياه الراكدة أعادت تحريكها قضية الشابة إسراء غريب من بيت لحم، والتي هزت الرأي العام المحلي والعربي، وسلّطت الصحافة الغربية الضوء عليها.

 

وبحسب معطيات إحصائية فإن جرائم القتل على ما يسمى "شرف العائلة" تناقصت في الأعوام الأخيرة، إذ تظهر بيانات الشرطة وقوع (24) جريمة قتل في الضفة الغربية عام 2018، (12%) منها كانت على خلفية ما يسمى "شرف العائلة"، وكانت ضحيتها ثلاث نساء، فيما باقي حالات القتل لرجال لدوافع أخرى مختلفة.

وتشكل هذه الإحصاءات أرقامًا أقل مما كانت عليه قبل ذلك، فمثلا في عام 2016 قتلت (18) امرأة على ما يسمى "شرف العائلة" وهو ما أثار موجة احتجاجات حينها انتهت لاحًقا بإصدار الرئيس محمود عباس قرارًا بقانون يلغي فيه ما يسمى "العذر المخفف" في المادة 99 من قانون العقوبات، والتي كانت تشمل القتل على ما يسمى "شرف العائلة"، وبعد ذلك تم إلغاء المادة (308) من قانون العقوبات التي تعفي مرتكب جريمة الاغتصاب من العقوبة في حال زواجه من الضحية، وهو ما اعتبرته الجهات الحقوقية تطورًا إيجابيًا وإن كان غير كاف.

ولا تنظر الحركة النسوية إلى تحليل واقع هذا النوع من الجرائم وفق المقياس الكمي، بل تنظر إليه من ناحية التحليل النوعي الذي يبرز سياقًا اجتماعيًا وثقافيًا وقانونيًا خطيرًا يستوجب المعالجة، وإلا أصبحت الأرقام ذات مدلولات مضللة مقارنة بالواقع، كما تقول عضو الأمانة العامة للاتحاد العام للمرأة خولة الأزرق.

وتطالب الأزرق الحكومة بالإسراع في الموافقة على مسودة قانون حماية الأسرة من العنف، والمطالبة بمحاسبة مرتكبي الجرائم بحق المرأة الفلسطينية.

وتوضح أن قضية إسراء غريب أوجدت رأي عام يطالب بتعديلات قانونية تحمي النساء من العنف ولا تترك مجالا لتهرب مرتكبي هذه الجرائم.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن (37%) من النساء في فلسطين يتعرضن للعنف بأشكاله المختلفة، فيما أدت الجرائم الالكترونية إلى رفع نسبة العنف ضد النساء بشكل أكبر.

إشكالات قانونية ومجتمعية

وتقول الناشطة في قضايا المرأة تمارا حداد ، إنهن يتفاجأن من خروج الجاني بقضايا ما تُسمى "شرف العائلة" من السجن، بعد إدانته وصدور أحكام قضائية بحقه.

وتوضح أن سبب خروج الجاني ادعاؤه أنه كان يدافع عن شرفه؛ مشيرة إلى أن "مُصدّر الأحكام لم يتبع منظومة قانونية بل اتبع مشاعر خاصة بحجة الحفاظ على السلم الأهلي بين العائلات وعدم تهديد الأمن وما يشبه ذلك".

وتضيف حداد "يسعى الرجال في الكثير من الأحيان إلى الحصول على تخفيف لعقوبتهم بحجة ارتكابهم فعلتهم في لحظة اختلال عقلي أو مرض نفسي أو لحظة تعاطي أنواع من الكحول المضيعة للعقل أو المخدرات أو عبر التأكيد أنهم تعرضوا للشتم أو الخيانة من الضحية".

ويكون في الغالب، وفق حداد، أن يكون القاتل أحد أقارب الفتاة أو الشاب، وبالتالي تحصل مصالحة بين العائلتين، أو تقدم الأسرة نفسها، نيابة عن ذوي المقتول، لقبول العفو في حق القاتل، وإطلاق سراحه.

وتلفت إلى أنه "من النادر أن يُعاقب القاتل على مثل هذه القضايا".

وتشير حداد إلى أن المطلوب عند حالات الصلح أن ترفع الحكومة دعوى ضد كلّ من يرتكب جريمة قتل بحق شاب أو فتاة بدافع الشرف، وهذا لا يحدث.

جذور تتطلب المعالجة

ويرى الباحث الاجتماعي محمد أبو بكر أن تناول قضايا القتل على خلفية الشرف ليس مرتبطًا بزيادتها أو نقصانها، بل بأدوات الإعلام الجديد التي أتاحت تسليط الضوء على قضايا مختلفة، ومنها هذا النوع من الجرائم، فأخرجتها للعلن بطرق أكثر نجاعة مما كان في السابق.

ويلفت " إلى أن التعتيم كان يلف كثير من هذه الجرائم، وأحيانًا كانت تنسب لأسباب مختلفة، وتُغلّف بمسببات أخرى كالانتحار أو غيره، ولكن اليوم باتت أكثر انكشافًا، في ظل وعي مجتمعي متزايد يسهم في تسليط الضوء عليها.

ويرى أن المعالجة القانونية وحدها لا تكفي دون أن تتزامن مع قراءة متأنية للجذور الاجتماعية لهذا النوع من الجرائم وربطها بمختلف أشكال العنف المجتمعي ومسبباته "ولاسيما في مجتمع يبقى ذكوريًا بامتياز، إذ لا مناص من الاستمرار في تعزيز الوعي المجتمعي بكافة الوسائل".

ولا تبرز جرائم ما يسمى "شرف العائلة" إلا في حالات القتل، لكن يتعدى ذلك إلى أشكال مختلفة من العنف لا تصل دائما إلى القتل، من قبيل الضرب والحبس وغيره من أشكال الإيذاء.

ويؤكد أبو بكر أن عديد الجرائم التي ارتكبت تحت مسمى "شرف العائلة" تبين لاحقًا أنها مرتبطة بقضايا أخرى مثل التخلص من المرأة لحرمانها من الميراث حين تكون حصتها فيه كبيرة، أو نتيجة تغطية على جريمة اغتصاب أو وشاية، وما إلى ذلك، مضيفًا أن ذلك "مثبت في سجلات الجهات المختصة".

وقد يهمك أيضًا:

الغضب يضرب تركيا بعد تداول فيديو يظهر امرأة قتلت ذبحًا على يد زوجها السابق

النساء يُكافحن للحصول على حقوقهن في الفترة الانتقالية الحالية في السودان