الطلياني توترات تونسية على إيقاع عربي
آخر تحديث GMT 02:47:43
 فلسطين اليوم -

"الطلياني": توترات تونسية على إيقاع عربي

 فلسطين اليوم -

الطلياني توترات تونسية على إيقاع عربي

خالد الحروب

لا هو من قبيل الخفة في التعبير ولا السخرية في القول الزعم بأن تشابه الهموم العربية مشرقا ومغربا يُعد وجها من العناصر المشتركة التي تؤكد عوامل وحدة العرب، مثاليا ونظريا على الأقل. واستنساخ التعامل مع تلك الهموم من الجار العربي جزء من تلك العناصر أيضا. لماذا، تأملاً، تعاقبت ثورات الربيع العربي من بلد عربي لآخر، ولم تنتقل الى بلدان الجوار غير العربي: إلى النيجر وتشاد، أو تركيا وإيران، او إثيوبيا وأرتريا، على سبيل العدوى مثلاً؟ على كل حال ليس هذا حديث هذه السطور، لكنه بعض مما تثيره قراءة الكاتب والمثقف التونسي القدير شكري المبخوت في روايته الممتعة "الطلياني". 
هنا نقلب ملفات إرث البورقيبية التي شكلت تونس ما بعد الاستقلال، وتمثلاتها المتنوعة: ثقافة، واجتماعاً، وتسيساً، ...، واستبداداً. والبورقيبية، وكما كانت الأتاتوركية، حالة تفيض بالدراما ذاك انها متعددة الأوجه وحمالة للتفسيرات، وفيها وعليها ما يكفي ويؤهلها للتمرد على أي محاولة توصيف اختزالية. هي قاطرة تونس نحو الحداثة ولولاها لربما ظلت البلد يترنح في زنقات التقليد، ثقيلة الخطوة، ومترددة الاتجاه كما هو حال كثير من البلدان العربية والإسلامية. وهي، اي البورقيبية، رفعت مقام المرأة التونسية ودفعتها الى موقع متقدم قياساً بنظيراتها في الجوار العربي وربما بعده. لكنها، اي البورقيبية، كانت استبدادية وأبوية صرفة تحوم حول "المجاهد الاكبر" وما يراه ويقرره. في عنفوان شبابه ونضجه وعطائه امتلك جبروت الشخصية كي يقود البلاد ويفرض رؤيته لتونس المنطلقة نحو المستقبل والمنفلتة من الماضي. في مراحل العنفوان تلك داس على المعارضة وهمشها، يسارييها أولاً ثم إسلامييها. حُشر المعارضون في الجامعات واتحادات الشغل، وانفرد القائد الأوحد بتوجيه دفة البلاد.
لكن عندما استبدت حتمية الزمن بالقائد واحتلت الشيخوخة والعجز ما كان نصيبا للعنفوان واليقظة، تقدم احد اخلص مساعديه ليخلص البلاد من ما صار يُرى نزقا في القائد وليس حكمة فيه. صار لا بد من إنقاذ البلاد من مؤسسها وحاميها الاول، فجاء زين العابدين بن علي. وعد الشعب، ويسارييه وليبرالييه وإسلامييه، بعهد دستوري جديد، قوامه الثورة على فكرة "تسلم الحكم مدى الحياة". كان ذلك سنة 1987، وكلنا نعرف بقية القصة بعد ذلك. هذه هي السردية العريضة للواقعة التونسية في النصف الثاني من القرن الماضي وصولا الى لحظة سقوط المنقذ بن علي. خلف هذه السردية كانت حياة المجتمع تمور بكل ما تمور به مجتمعات العرب: امتدادات عميقة ومتواصلة وراسخة للموروث الاجتماعي، والديني، والقبلي، والأبوي، يعشش بعيدا عن، ورغما من، احلام النخب سواء أكانت حاكمة أم معارضة؛ يسار متصاعد يبحث عن موقعه بين حكم ليبرالي السمت لكنه استبدادي النزعة، وإسلاموية ناهضة تعتاش على الموروث وتحرض وارثيه على رفض الحداثة وتغريبها المجتمع; بنى اقتصادية هشة لم تتمكن لا من تطهير رقاع الفقر العريض، ولا من استيعاب أجيال الشباب الذين فاض كثيرهم في شوارع البطالة تتلقفهم تنظيمات متطرفة، او عصابات التشرد، او بكل بساطة مشاعر الضياع والتوهان. قليلهم تمكن من الهرب من الأوطان والهجرة للخارج والارتماء في أحضان الغرب المشتوم صباح مساء؛ وكل ذلك وغيره تحت سيطرة نظام سياسي مطبق الإحكام على المجتمع، فيه الحريات السياسية مجففة، والمناصب العليا ونصف وربع العليا محجوزة للمنافقين والمتسلقين والمداحين.
في قلب تلك التناقضات وفي بيئة متوسطة عادية نتعرف، وفي المشهد الاولى من الرواية، على عبد الناصر، الشاب المتمرد الناقم على عائلته، وهو يسير ساهما في جنازة والده الحاج محمود. في لحظة الدفن والعشرات من محبي الحاج يتحلقون حول القبر ويرددون الأدعية والآيات وراء "الإمام علاله"، إمام جامع الحارة، الذي يزجي رأس الحاج محمود فوق اللحد، ينتفض عبد الناصر ويضرب بقدمه وجه الإمام بكل قوة فينفر منه الدم، ويغادر المقبرة ساهما والكل تصعقه المفاجأة، ومعها تتحول الجنازة إلى فوضى مباغتة. بعد هذا المشهد الافتتاحي نحتاج الى اكثر من ثلاثمائة صفحة كيف نفهم سبب هذا التصرف "الأرعن" الذي لم يكن ليليق بابن الحاج محمود صاحب السيرة الحميدة المشهود لها من الجميع. حوقل الناس وعادوا الى بيوتهم مذهولين، ولا يقل عنهم ذهولا القراء الذين استعجلوا تقليب الصفحات لمعرفة السبب. بين دفتي الكتاب، ومن ضربة الشاب اليساري المتمرد لوجه السلطة الموروثة وإلى معرفتنا بأن إمام الجامع ذاك حاول مرارا الاعتداء جنسيا على عبد الناصر أيام كان ولدا صغيرا يحوم في الحواري وحول الجامع، نجوب مع المبخوت في حكايا تونس، وتوتراتها، وناسها، وفقرها، وأيديولوجياتها، وحيرتها، ونسائها، وسير العشق المكتمل والمنقوص.
عبد الناصر، والذي يعرفه الجميع بلقب اسبغ عليه باكراً وهو "الطلياني" نظرا لـ "وسامته الأوروبية"، شخصية درامية بامتياز، وفيه كل التناقضات الممكنة. فهذا اليساري المهجوس بتحقيق العدالة والمساواة في المجتمع، والمناضل عن حقوق الناس في وجه السلطة، هو نفسه الشخصية المرذولة من قبل عائلته، وهي العائلة التي لا يهتم بها، وكأنها تقع خارج تعريف "الشعب" و"المجتمع" الذي يدافع عنه. نبله في النضال وفي الحب عندما تعرف على زينة، الريفية القروية، المُبهرة في الجامعة وفي تفوقها في الفلسفة، لا يوازيه إلا نذالاته وخياناته المتكررة لمن اعتبرها قديسة قلبه. تنظيراته في ضرورة الثورة الجذرية واقتلاع الوضع القائم واستبداله، تنزوي تدريجيا لصالح أفكار "الإصلاح من الداخل" والاقتراب من دوائر النظام والاشتغال في ماكينته. أفكار "الإصلاح من الداخل"، عمليا وحياتياً، يقع جذرها في الحاجات المادية وإكراهات الحياة، والتنظير المؤدلج لها ليس سوى التكرار المعروف لنفس القصة، حيث تُوظف مهارات لغة الأيديولوجيا لسوق المسوغات والمبررات لنقض تلك الأيديولجيا نفسها، او تحويرها لتتواءم مع الخيارات الجديدة. 
شقيق عبد الناصر، صلاح الدين، يقدم إطلالة مُعلمة في الرواية فهو المتفوق دراسياً، والذي انهى الدكتوراه في الاقتصاد، ويعمل في سويسرا مع مؤسسات دولية كبرى تريد ان تقود دول العالم المتخلفة الى سياسات تحرير السوق وليبراليته. زينة، المناضلة والمتفلسفة وحبيبة ثم زوجة عبد الناصر، يقتلها طموحها، ثم تفترسها ماديات الحياة عندما تحس بطعم المال والمرتب الشهري. تحاول ان تتعامل مع الحرية التي "منحها" بورقيبة لنساء تونس، فتلتبس عليها الأمور. تقول: "لقد أعطانا بورقيبة قيدا جديدا ظنناه انعتاقا فتورطنا. لم يعد بإمكاننا أن نعود الى الوراء. وإذا اردنا ان نتقدم تعذر علينا ذلك. اما البيت فسجن صغير وأما الشارع فسجن كبير. احدهما يعمره سجان بليد لا تنتهي طلباته. طفل صغير دللته امه ولم يستطع الفطام منها، والآخر يعمره السفلة بتحرشهم بالنساء وعنف لغتهم الجنسية الناضحة كبتا ونظراتهم التي تعري المرأة تعرية". 
ليست هذه مراجعة للرواية، بل بعض التأملات في بعض من جاء فيها، ومن دون هذه الملاحظة نكون هنا قد ظلمنا شكري المبخوت وصنيعته "الطلياني".

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الطلياني توترات تونسية على إيقاع عربي الطلياني توترات تونسية على إيقاع عربي



GMT 14:48 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الإرهاب الاسرائيلي لا يتوقف وهل ينجح غانتز حيث فشل نتانياهو

GMT 07:47 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

في ذكرى رحيله .. ماذا أنتم فاعلون؟

GMT 07:43 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الانتخابات والفصائلية!

GMT 07:37 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

«الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون»

GMT 07:32 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

"بنات نعش" سر الموت فضيحة الحياة!

GMT 07:23 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

قراءة إسرائيلية جديدة للتأثير الروسي في المنطقة!

GMT 17:25 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب يعاني داخلياً وخارجياً

خلال افتتاح الدورة العادية الرابعة للبرلمان الثامن عشر في عمان

الملكة رانيا تعكس الأناقة الراقية بموضة الفستان البنفسجي

عمان ـ خالد الشاهين
بالرغم من أنها ليست المرة الاولى التي ترتدي فيه الملكة رانيا هذا الفستان البنفسجي إلا أنها بدت في غاية التألق والجاذبية لدى وصولها لافتتاح الدورة العادية الرابعة للبرلمان الثامن عشر في عمان. فأبهرت الحضور بأنوثتها المعهودة. فلنتابع الاسلوب الذي اعتمدته الملكة رانيا لتطلعي على التصميم الذي جعل أناقتها استثنائية. بلمسات ساحرة ومريحة لم يسبق لها مثيل، اختارت الملكة رانيا الفستان الواسع المميز بطياته المتعددة وطوله المتناسق الذي يتخطى حدود الركبة مع الخطوط المضلعة الرفيعة التي رافقت كامل التصميم. فهذا الفستان البنفسجي الذي أتى بتوقيع دار Ellery تميّز بقصة الاكمام الواسعة والمتطايرة من الخلف مع الياقة الدائرية التي تمنح المدى الملفت للملكة. واللافت ان الفستان البنفسجي تم تنسيقه مع الأكسسوارات الحمراء الملفتة والعصرية. فاختا...المزيد

GMT 03:13 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

استمتع بسحر التاريخ وجمال الطبيعة في "غرناطة"
 فلسطين اليوم - استمتع بسحر التاريخ وجمال الطبيعة في "غرناطة"

GMT 04:39 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

"المخمل الفاخر" يمنح منزلك مظهرًا فاخرًا في شتاء 2019
 فلسطين اليوم - "المخمل الفاخر" يمنح منزلك مظهرًا فاخرًا في شتاء 2019

GMT 04:16 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب يلتقي رجب طيب أردوغان وتحذير شديد اللهجة بسبب موسكو
 فلسطين اليوم - ترامب يلتقي رجب طيب أردوغان وتحذير شديد اللهجة بسبب موسكو

GMT 13:12 2019 السبت ,30 آذار/ مارس

بريشة هاني مظهر

GMT 18:27 2015 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

فوائد الكركم لعلاج القولون

GMT 09:43 2015 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

أسعار العملات والذهب والفضة في فلسطين الأربعاء

GMT 05:32 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

"سيات ليون كوبرا" تُعدّ من أقوى 5 سيارات في السوق

GMT 10:49 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ديكورات ريسبشن رائعة و جذابة تبهر ضيوفك

GMT 16:19 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

النجم كريستيانو رونالدو يختار اسمًا مميّزًا لطفلته الرضيعة

GMT 07:47 2017 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

دنيا سمير غانم تقدم استعراضات عالمها في "صاحبة السعادة"

GMT 04:18 2015 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

داليا جابر تدخل نشارة الخشب في صناعة الديكور المنزلي

GMT 01:45 2017 الخميس ,26 كانون الثاني / يناير

المستشارة أنجيلا ميركل تواجه احتمالات الإطاحة بها
 
palestinetoday

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday