بقلم : عبد اللطيف المناوي
فى الحروب، لا تأتى فرص التسوية دائماً عندما تتقارب المواقف، وإنما حين يكتشف المتحاربون أن استمرار المواجهة أصبح أكثر تكلفة من البحث عن مخرج منها. وربما تكون هذه هى اللحظة التى تقترب منها الولايات المتحدة وإيران، بعد شهور أثبتت أن التفوق العسكرى لا يكفى لفرض الاستقرار، وأن القدرة على إلحاق الضرر بالخصم لا تعنى القدرة على إخضاعه.
إعادة وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى تأكيد استعداد طهران لفتح مضيق هرمز وفق شروط محددة، واستمرار الاتصالات عبر الوسطاء، يشيران إلى أن الباب الدبلوماسى لم يُغلق.. لكن ذلك لا يعنى أن الاتفاق أصبح قريباً.
فالمطالب الأساسية للطرفين معروفة. واشنطن تريد ضمانات تتعلق بالبرنامج النووى وحرية الملاحة ومنع تكرار التهديدات. وطهران تريد إنهاء الحصار وتخفيف العقوبات وضمان عدم استئناف الهجمات. المشكلة ليست فقط فى مضمون التنازلات، وإنما فى ترتيبها وضمان تنفيذها.
ومن هنا، قد يكون التوافق الممكن قائماً على خطوات متبادلة ومتزامنة، تتيح للطرفين الخروج من المواجهة دون اضطرار أى منهما إلى إعلان الهزيمة.
لكن السؤال الأهم هو: هل يكفى اتفاق أمريكى إيرانى لتبريد المنطقة؟
التطورات الأخيرة تشير إلى أن الأمر أكثر تعقيداً. فاستمرار الهجمات الحوثية على السعودية، والردود العسكرية، والتحركات المصرية الداعمة لأمن المملكة، والتقارب السعودى الإماراتى بشأن اليمن، تعكس اتساع تداعيات الحرب إلى أطراف لها مصالحها وحساباتها المستقلة.
وقد ينجح اتفاق واشنطن وطهران فى وقف الضربات المباشرة واستعادة قدر من الاستقرار فى هرمز، لكنه لن يوقف تلقائياً القتال فى اليمن. فالحوثيون ليسوا مجرد أداة تتحرك بأوامر إيرانية، وإن استفادوا من دعم طهران، كما أن السعودية تحتاج إلى ضمانات أمنية حقيقية، لا مجرد تهدئة مؤقتة.. لذلك يبدو المسار الأكثر واقعية هو تسوية تدريجية تبدأ بوقف التصعيد وتأمين الملاحة وتخفيف الإجراءات الاقتصادية المتبادلة، ثم تنتقل إلى معالجة الملف النووى، بالتوازى مع ترتيبات إقليمية لوقف الهجمات وإحياء المسار السياسى اليمنى.
وهنا تبرز أهمية الوسطاء وضرورة إشراك دول المنطقة فى صياغة الضمانات الأمنية، بدل الاكتفاء باتفاق ثنائى يترك أسباب التوتر قائمة.
ولا يمكن تجاهل العامل الاقتصادى؛ فاضطراب هرمز وباب المندب يهدد التجارة والطاقة والأمن الغذائى، ويمس مصر مباشرة من خلال تأثيره على الملاحة فى قناة السويس.
ومع ذلك، تبقى احتمالات الانتكاس قائمة.. فقد تستخدم المفاوضات لكسب الوقت، وقد يعيد هجوم كبير حسابات الجميع إلى نقطة الصفر.
التوافق الأمريكى الإيرانى لن يحل أزمات الشرق الأوسط، لكنه قد يزيل أحد أهم أسباب اشتعالها. والنجاح الحقيقى لن يكون فى اتفاق يوقف الحرب مؤقتاً، بل فى ترتيبات تجعل العودة إليها أكثر صعوبة.
فليس المطلوب إطفاء الحريق فى هرمز، بينما تستمر النيران فى اليمن والخليج، وإنما تحويل فرصة التوافق إلى بداية تهدئة إقليمية أوسع، تمنح المنطقة فرصة لاستعادة الاستقرار.