تناقض واحد قويم لعالمنا أم تناقضات عدّة مختلَطَة
آخر تحديث GMT 06:33:56
 فلسطين اليوم -

تناقض واحد قويم لعالمنا أم تناقضات عدّة مختلَطَة؟

 فلسطين اليوم -

تناقض واحد قويم لعالمنا أم تناقضات عدّة مختلَطَة

بقلم :حازم صاغية

يكاد لا يجدّ حدث كبير في الكون، والمظاهراتُ الفرنسيّة آخر تلك الأحداث، إلاّ وينقسم اللبنانيّون على نحو يحاذي انقسامهم الأصليّ. فهناك من يقف ضدّ النظام الفرنسيّ ومعه العنصريّة والطبقيّة وقمع الشرطة العنيف، محتفلاً بارتفاع الأعلام الفلسطينيّة في المظاهرات. وهناك من يقف ضدّ أعمال الشغب والتخريب وعموم المظاهر «غير الحضاريّة» المصحوبة بسياسات الهجرة المتّبعة في الغرب.

ولن يكون صعباً رصد الجذر الآيديولوجيّ العابر للحدود في كلّ من الموقفين: فالطرف الأوّل ينطق بلسان تجتمع فيه نزعات يساريّة وفوضويّة وإسلامويّة و«عالمثالثيّة» شتّى، تيّاراتٌ باتت غزّة، منذ ثلاث سنوات، لحمة وحدتها. أمّا الطرف الثاني فينطق بلسان يناجي أوروبيّة «الصفاء» القديم وحبّ الاستقرار ولو محروساً بالهراوات وتسييل الدموع. وإذ يزعم الأوّلون، الشغوفون بالشعبويّة اليساريّة، أنّهم الجسر إلى مستقبل عادل، يزعم الأخيرون، الشغوفون بالشعبويّة اليمينيّة، أنّهم حُماة الماضي واستمراريّته التي من دونها لا مستقبل. لكنّ الاكتفاء بمعاينة هذا الجذر سوف يكون مُضلِّلاً حين لا يترافق مع تبيّن الجذور الأخرى التي ينبثق منها طرفا الانقسام.

فالأوّلون يرسمون صورة للأزمات الكونيّة تهبط بها من الأعلى إلى الأدنى، أي من الصراع الكونيّ المفترض حول فلسطين والرأسماليّة والهجرة والإسلام وسواها، إلى جميع البلدان والجماعات المُطالَبة بالوقوف وقفة رجل واحد ضدّ عدوّ كوني واحد. أمّا الصورة التي يرسمها الأخيرون فتنطلق من بلدانهم وأحوالها وتمزّقاتها، ومن شعور، مُدرَك أو غير مُدرَك، باستحالة التحالفات على نطاق كونيّ، أقلّه لأسباب عمليّة. وإذا كان الأوّلون يستعيرون «أمميّة» و«تكثيفاً للتناقضات» تهتدي بهما خطى «مواطن العالم المجرّد»، فالأخيرون، الذين يَبدون محلّيّين بل أبرشيّين، يرون أنّ قضيّتهم التي يرونها مُحقّة، قد تتضارب مع قضايا مُحقّة أخرى. وهكذا ترهن الضفّة الأولى بالصراع الكبير تقرير مصائر الصراعات الصغرى داخل لوحة منسجمة من التناقضات. أمّا على الضفّة الثانية فتُرسم كلّ واحدة من القضايا صراعاً كبيراً قد يتقاطع مع صراع آخر لكنّه أيضاً قد يتناقض معه.

وقد سبق أن رأينا، ولا نزال نرى، شواهد عدّة على تبايُن يصعب سكب أجزائه وأطرافه في قالب ووجهة واحدين: فقطاع عريض جدّاً من اللبنانيّين يرون أنّ على بلدهم مغادرة الصراع مع إسرائيل كشرط ضروريّ، وإن غير كافٍ، لتعافيه. وكنّا لمسنا، في العقد الماضي، ذاك التصادم الحادّ بين حساسيّات التغيير في بعض البلدان العربيّة، خصوصاً سوريّة، والحساسيّة التي تدور حول الموضوع الفلسطينيّ. وفي المشرق خصوصاً، يسود لدى أقلّيّات كثيرة، دينيّة وطائفيّة وإثنيّة، حذر شديد حيال أصحاب النظرة «الأمميّة» للصراع لأنّهم يتجاهلون قضاياها أو يُلحقونها بسواها. فهؤلاء شديدو التحفّظ على إخراج همومهم من الأجندات النضاليّة الدارجة، علماً بأنّ مآسي بعضهم لم تتفاقم إلاّ في ظلّ صعود الحركات القوميّة والدينيّة الجذريّة.

ويُذكر، في هذا السياق، كيف أنّ أنظمة كثيرة نجحت في استخدام الحقّ الفلسطينيّ في مواجهة الحقّ الكرديّ بهدف طمس الأخير، وكان الاستخدام هذا يحظى بتأييد شعبيّ واضح واحتضان كبير. كذلك يرفدنا التاريخ القريب والوقائع بنزاعات تأسيسيّة لا يمكن طيّ صفحتها، كما لو أنّها سحابة صيف، كرمى للتناقض «الأمميّ» الأوحد. فنزاع نُخب وجماعات عريضة مع الإسلاميّين، والصراع الدمويّ الذي عرفه لبنان بين مسيحيّين وفلسطينيّين، أو الذي عرفه العراق بين سنّة وشيعة، وكذلك الواقع الراهن للأقلّيّات السوريّة...، كلّ ذلك يوحي بأنّ «أمميّة» الطرح الأوّل المتعالية على المسائل المحلّيّة، والمناوئة لها أحياناً، قد تتحوّل هي نفسها وقوداً لنزاعات أهليّة تضاعف تفتيت الجزء بدل أن تساهم في توحيد الكلّ. واليوم ثمّة عامل جديد قد يرتّب تأثيرات تتعدّى كلّ تأثير آخر هو حرب إيران، المباشرة والمداورة، على بلدان عربيّة عدّة تجاورها. ثمّ إنّ مَن يحضّون على شحذ حروب الذاكرة ضدّ الاستعمار والصهيونيّة عليهم أن يتذكّروا الموادّ السامّة التي تمتلئ بها ذاكراتنا المشحوذة سلفاً حيال بعضنا البعض.

وهكذا فإنّ طلب أقصى الوحدة، وبشروط مُتَنَازَع عليها، في ظلّ أقصى الانشقاق والتمزّق، قد يشي بعدم الرغبة في رؤية أحوالنا كما هي، ومن ثمّ تفادي دفع الأثمان الباهظة لمغادرتها. وبدل استنفار حسّ المسؤوليّة الذاتيّة لمواجهة تلك المسائل ومحاولة حلّها، يصار إلى دمجها في قضيّة تشبه السماء حين يُنظر إليها من الأرض.

لكنْ، في المقابل، لا بدّ من مناعة تحصّن أصحاب «القضايا الصغرى» حيال إغراءات ردّ الفعل الأهوج باسم وطنيّة أو ولاء ضيّق الأفق لجماعة من الجماعات. فرفض الاختزال والإدماج في «قضيّة كبرى» غير قابلة للنقاش لا يدفع بالضرورة إلى اندماج في مناهضي تلك «القضيّة الكبرى» حتّى لو كانوا عنصريّين ومتشدّدين في يمينيّتهم. والانكفاء عن العالم وعدم الإنصات إلى ما يجري فيه ليسا البديل الأوحد عن الانجذاب القسريّ إلى الكبير والضخم الذي يقدّم نفسه ملحميّاً. وهذا ناهيك عن تجارب كثيرة تعلّم أنّ حلفاء الاضطرار اضطراريّون بالضرورة، خصوصاً في أيّامنا هذه، حيث يتبارى التقلّب والمزاجيّة مع الجريمة المفتوحة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تناقض واحد قويم لعالمنا أم تناقضات عدّة مختلَطَة تناقض واحد قويم لعالمنا أم تناقضات عدّة مختلَطَة



GMT 01:42 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

الأردن؟

GMT 01:34 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا الأردن ولماذا الآن؟

GMT 01:32 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

فعلا… دين أبوهم اسمه إيه..

GMT 01:31 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

هل سينتهي الصلع؟

GMT 01:29 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

مجزرة الكنيسة في الكرك

GMT 01:28 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

الكرك الذي هزم السواد

GMT 01:27 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

انتخابات نتنياهو... بين الحظ والمؤامرة

GMT 01:23 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

مَنْ يُصوّتْ أو مَنْ يُموّل؟

إليسا تتألق بصيحة الفساتين بالأكتاف المنسدلة بالتزامن مع عيد ميلادها

بيروت ـ فلسطين اليوم
تستعد النجمة اللبنانية إليسا للاحتفال بعيد ميلادها الـ55 في السابع والعشرين من شهر أكتوبر الجاري، وهي المناسبة التي حرص جمهورها على تهنئتها بها والتفاعل معها مبكراً. وسلط المتابعون الضوء على أبرز إطلالاتها والتصاميم التي نالت إعجابها وفضلتها مؤخراً في مختلف ظهوراتها، وكان في مقدمتها صيحة الفساتين ذات الأكتاف المنسدلة التي أصبحت خياراً مفضلاً لديها على الدوام. وفي رصد لأبرز تلك الاختيارات، ظهرت إليسا في إحدى حفلاتها الغنائية بفستان سهرة طويل متدرج الألوان يمتد من الأسود الداكن في الجزء العلوي إلى البرتقالي المحمر والنيود في الأسفل، مصنوع من قماش الشيفون الانسيابي ومتميز بقصة ياقة منسدلة عن الكتفين على شكل حرف V مع تطريزات وخرز أسود دقيق يغطي منطقة الصدر، وأكمام طويلة منسدلة تشبه الكاب تتدلى بانسيابية من الكتفين، مع عقد ر...المزيد

GMT 06:33 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ
 فلسطين اليوم - موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ

GMT 17:46 2019 الأحد ,03 شباط / فبراير

السيارات الطائرة بين الخيال العلمي والحقيقة

GMT 05:18 2017 الإثنين ,18 كانون الأول / ديسمبر

الإصابة ببعض الأمراض الجلدية أبرز أسباب تساقط الشعر

GMT 07:04 2019 الإثنين ,11 شباط / فبراير

ديان كروغر تلعب دور معلمة عميلة للموساد

GMT 20:10 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

الروائي نبيل فاروق يفاجئ قراءه برواية خيال علمي

GMT 15:07 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

"استاد الأهلي" وعد من لا يملك

GMT 18:10 2016 الثلاثاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

مدرب الريان القطري يؤكد استعداد فريقه لمواجهة الخور

GMT 08:16 2020 الخميس ,10 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الخطوات الأساسية لتحقيق النجاح في تربية الأبناء

GMT 11:03 2020 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

سبب ترك رئيس قِسم المُحرّكات في "مرسيدس" منصبه

GMT 20:20 2019 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

أهم الأماكن السياحية في جزيرة بالي دليلك لرحلة ممتعة

GMT 22:55 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

طرق مبتكرة لتنظيف مفارش السرير بشكل مستمر

GMT 12:30 2018 الخميس ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

باريس سان جيرمان مهدد بالاستبعاد من دوري أبطال أوروبا

GMT 22:26 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

فوائد البطاطا للجسم والصحة أبرزها الطاقة والنشاط
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday