الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة
آخر تحديث GMT 07:19:26
 فلسطين اليوم -
أخر الأخبار

الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة...

 فلسطين اليوم -

الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة

بقلم :حازم صاغية

في كلّ حركة سياسيّة أو آيديولوجيّة كبرى مُكوّنٌ تُعامله الحركة، أو تنظر إليه، بوصفه نقطة ضعفها. هكذا ينتاب الحلفاءَ الأكثر جدّيّة شعورٌ بالحرج، إن لم يكن الخجل، حياله وحيال التحالف معه. فالمُكوّن المذكور قد يطبّق العقيدة بشكل سيّئ، وقد يضيف إليها هرطقاته الخاصّة به، وقد يقدم على أفعال غير مدروسة تورّط الآخرين، وقد ينطوي سلوكه على قدر من الكاريكاتيريّة... هكذا، مثلاً، أحسّ الشيوعيّون الأشدّ التزاماً بشيوعيّتهم بهذا الصنف من الحرج عند تناولهم الزعيم الألبانيّ أنور خوجا أو سلالة كيم الكوريّة. وبابتسامة صفراء كانوا يقابلون الكلام عن «ماركسيّة» الإثيوبيّ منغستو والصوماليّ زياد بري. والشيء نفسه يصحّ في تناول الرأسماليّين الأشدّ التزاماً برأسماليّتهم زعماءً كفرديناند ماركوس، وموبوتو سيسي سيكو، وأوغستو بينوشيه. وحين كانت حركة القوميّة العربيّة، ممثّلةً بالناصريّة، لا تزال حيّة تُرزق، شغلَ معمّر القذّافي هذا الموقع الذي يستدرج السخرية استدراجه التنصّل. وهذا، في الحالات جميعاً، لا يلغي تقديم الدعم للحليف المحرِج أو الإفادة من دعمه لباقي التحالف، إلاّ أنّ الصلة به تبقى مثلومة تُلزم بشيء من الاعتذار عنها.

والحال أنّ حوثيّي اليمن يمثّلون هذا الدور داخل ما يُعرف بـ«محور الممانعة». فمنذ الإطلالة الأولى لناطقهم الحربيّ يحيى سريع على التلفزيون، يتبدّى أنّ في الأمر أعطاباً لا بدّ أن تُحرج أصحاب «المحور». ولا يلبث الانطباع الذي يخلّفه صراخ سريع أن يجد تعزيزه في تجمّعات هائجة يُراد أن يوحى لنا بأنّها، بأسلحتها البدائيّة، تتهدّد التجارة الدوليّة وطرق الملاحة. ونعلم جيّداً حجم الإصرار الذي تبديه أنظمة مشابهة للنظام الحوثيّ على إنزال جموع إلى الشارع تطلق حناجرها بهتافات وضعها آخرون في تلك الحناجر.

على أنّ إحدى أبرز خصوصيّات الحوثيّين مفادها انبثاق قدرتهم على التأثير في العالم من قطيعتهم مع العالم، أي من عدم التأثّر الكامل به، وإيثارهم عزلة وعتماً ملوّنين بتقنيّات حربيّة مهداة من إيران وربّما من الصين. وهي حقيقة مخيفة لأنّها تُظهر كم أنّ القرن الحادي والعشرين هشّ حيال ما ترسّب عن قرون سابقة.

فهم، من وجه، يشبهون الجيوش الخاصّة التي ازدهرت إبّان حرب الثلاثين عاماً في أوروبا القرن السابع عشر، وضمّت مقاتلين مأجورين تتعارض مصالحهم مع مصالح السكّان الذين يتوسّلون أرضهم لخوض الحروب، مستحضرين قوّتهم العضليّة بوصفها الأساس الأوحد لما يحرزونه من مكانة واعتراف. وهم، من وجه آخر، يذكّرون بالعصبيّة الخلدونيّة، بوصفها مصدراً للتغلّب بمعزل عن أيّة قيمة أخلاقيّة لما تحقّقه من مكاسب. فـ«أنصار الله» الحوثيّون، وعلى الضدّ من حركات أخرى جمعت بين العزلة والتأثير، يتقدّمون من العالم خالي الوفاض من أيّة قضيّة، كائنة ما كانت القضيّة. ذاك أنّ القدرة على الأذيّة، وابتزاز الآخرين بهذه القدرة، هو ما يُحسَب له الحساب الأهمّ، وهو وحده سُلّم الصعود من موقع محدود التأثير إلى موقع نافذ. لكنْ إذا كانت العصبيّة الخلدونيّة تؤسّس الدولة والمُلك، فهذه العصبيّة لا تؤسّس إلاّ ديمومة اللادولة والعيش، إلى ما لا نهاية، في الفوضى العارمة.

فالحوثيّة هي الميليشيا المطلقة، وإذا كان «حزب الله» اللبنانيّ والميليشيات العراقيّة تقتطع من سلطات بلدانها حصّة القرار الأخير والحاسم، فالحوثيّون لا يرضون بشراكة شريك، ولو ثانويّ، ولا يُقرّون بأيّ حاجة إلى «غطاء شرعيّ» يحتمون به. فهنا، نحن أمام الميليشيا وقد صارت دولة هي البديل الكامل من الدولة. ومن هنا فنشرها الفوضى كطريقة حياة وكعلاقة بالعالم الخارجيّ وثيق الصلة بانعدام إنجازها الداخليّ، وبتوطيدها السلطة على قاعدة الانعدام هذا. فمع الحوثيّين، تُصدّر أزمة بناء الدولة لتغدو أزمة إقليميّة وأزمة اقتصاد عالميّ، لا تعبيراً عن تنافس اقتصاديّ محموم مع القوى التي يؤذيها الحوثيّون، ولا نشراً لفكرة يظنّها أصحابها فكرة صائبة جديرة بالتعميم. والميليشيا المطلقة فوضاها مطلقة وأضرارها المتعاظمة تعبر كلّ حدّ، فتروح توزّعها على شعبها، واليمنيّون طبعاً ضحاياها المباشرون، ولكنْ أيضاً على جوارها.

وهكذا، لا تُقصف السعوديّة فحسب، بل يغدو اسمها «العدوّ السعوديّ»، وكان الظنّ بأنّ إسرائيل تحتكر هذا الوصف، علماً بخوائه وضحالته كائناً مَن كان الموصوف. أمّا بالنسبة إلى مصر فمنذ أواخر 2023، تُستهدف الملاحة في البحر الأحمر، مع ما يعنيه ذلك من تأثير على قناة السويس التي شهدت إيراداتها تراجعاً كبيراً وضعفت قدرتها على اجتذاب العملات الصعبة إلى الاقتصاد المصريّ.

وفي هذا نزعة خلاصيّة لكنّها خلاصيّة شمشونيّة لا تَعِد بالنصر في الحياة بقدر ما يُراد لها الإيحاء بالنصر على الحياة. فهي بالتالي حصيلة افتقارات وعلامةٌ على تعفّن الحركات والدعوات يتقدّم على هيئة انتصار لها، وهي إيذان بالنهايات يتقدّم على شكل بدايات ظافرة. بيد أنّها، مع هذا، لا تثير حرج حلفائها في الممانعة الذين يُفترض أنّهم يفوقونها جدّيّة، وفي أحيان كثيرة تثير حسدهم فيمجّدونها بوصفها أهمّ مصادر قوّتهم ومُصغّراً عن عالمهم المُشتهى. ذاك أنّها «تقاتل»، أليس كذلك؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة الحوثيّة بوصفها الميليشيا المطلقة



GMT 04:09 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

نتنياهو الخائف والمُخيف

GMT 04:07 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

نوبل للكيمياء

GMT 04:04 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

أخباركم أخبارنا

GMT 03:49 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

دخول مصرَ الحرب

GMT 03:32 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

مصر والسعودية... «السيفُ أَصدقُ إنباءً من الكُتُبِ»

GMT 03:30 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الصورة الواقعية لمنطقتنا...من دون تجميل الـ«إيه آي»

GMT 03:22 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانيا... عودة الثنائية الحزبية

GMT 03:20 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

حرب عادلة ضد التمادي الحوثي

الأسود يحافظ على مكانته والفخامة ترافق الحاضرات في الجونة

القاهرة ـ فلسطين اليوم
واصلت نجمات الفن والسينما منافسة الأناقة في ثاني أيام فعاليات مهرجان الجونة السينمائي عام 2026 حيث برزت إطلالات سهرة راقية وأخرى صباحية ناعمة بين السجادة الحمراء والجلسات الحوارية واستمر اللون الأسود في فرض سيطرته على اختيارات النجمات ليعكس الفخامة والرقي إلى جانب ظهور لافت للألوان النارية والأزرق الشاحب والأبيض. بدت النجمة يسرا في كامل أناقتها بثوب أسود طويل للقماش المجعد من تصميم ليث معلوف بفتحة V Neck وأكمام قصيرة بارزة الأكتاف مع فتحة أمامية عالية ونسقت معه بروشا ذهبيا كبيرا وقفازا جلديا وجوارب دانتيل بينما خطفت إلهام شاهين الأنظار بجمبسوت أسود بأرجل واسعة وأكمام مفتوحة تنسدل كالأوشحة مع ياقة كريستالية عالية مطرزة وتألقت أمينة خليل بطقم دانتيل أسود مزين بالورود ومبطن بالقماش الأحمر يتكون من كورسيه بياقة هالتر وتنورة مÙ...المزيد

GMT 05:54 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الأردن في الخريف وجهات تكتسي بألوان الطبيعة الساحرة
 فلسطين اليوم - الأردن في الخريف وجهات تكتسي بألوان الطبيعة الساحرة

GMT 06:07 2026 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

خطأ مميت لنباتات الزينة يقوم به معظم المبتدئين
 فلسطين اليوم - خطأ مميت لنباتات الزينة يقوم به معظم المبتدئين

GMT 10:48 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

تحمل إليك الأيام المقبلة تأثيرات ثقيلة وسلبية

GMT 09:03 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الدلو" في كانون الأول 2019

GMT 06:41 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 13:27 2020 الجمعة ,03 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 13:18 2018 الثلاثاء ,18 أيلول / سبتمبر

"أفرايزز" تفاوض لإنشاء محطات طاقة شمسية بمليار جنيه

GMT 02:12 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

رحاب عمر تعترف بعشقها غناء القصائد أمام جمهور المستمعين

GMT 08:31 2014 الجمعة ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

محاكم بريطانية تقاضي أمهات تسبّبن بتشويه أطفالهن

GMT 07:14 2015 الجمعة ,18 كانون الأول / ديسمبر

العلماء يسعون لإحياء سلاحف من ذوي الفصائل المنقرضة

GMT 04:11 2015 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

"بيجو" تكشف النقاب عن سيارتها الجديدة "308 "GTI
 
palestinetoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday