بنهاية الأسبوع الفائت، خلال ملتقى فكري عربي، تكلّم دبلوماسي عن الواقع العربي بصراحة تشاؤمية غير معهودة من دبلوماسيين محترفين.
لقد قال في كلمة «من القلب»، تعمّد ألّا تكون مكتوبة، إن «أوضاعنا سيئة، وليست أبداً على ما يرام». وانطلق، من ثّم، ليشرح بالتفصيل جوانب من الإخفاق والالتباسات في الأوضاع العربية الراهنة، والتحدّيات التي تمرّ بها منطقتنا وسط الظروف الدولية التي نعرفها كلنا.
هذه الكلمة أتاحت لمداخلتي في اليوم التالي، أيضاً، أن تكون صريحة... لا تخلو من الإقرار بالتقصير.
غير أنني من دون الانهماك في الأرقام والإحصائيات التي تؤكّد مدى عمق أزمتنا، وأيضاً بعيداً عن الإفراط في «جلد الذات»، لمّحت إلى أنَّ أزمتنا جزءٌ من مجموعة من الأزمات المتأثرة بـ«أزمة قيادة عالمية».
وحقاً، لا تلوح استراتيجية متماسكة وصلبة عند القوى الكبرى - دولاً ومؤسسات - التي تتحكم في آليات اتخاذ القرار، وحلّ الأزمات، وترتيب الأولويات؛ ولهذا بتنا نرى النتيجة ارتباكاً ورهانات خاطئة، وتردّداً في اعتماد علاجات مبكّرة لأزمات مرشّحة للتفاقم... ما لم يبادَر إلى احتوائها، ولجم تداعياتها سريعاً.
في عالمنا العربي أزمات يمسّ بعضها مصائرَ مناطق حسّاسة منه، والبعض الآخر له انعكاسات كبرى سياسية وعسكرية واقتصادية على مستوى العالم بأسره.
الوضع الخطير المتفجّر في الخليج، مثلاً، ما كان من المفترض أن يبلغ ما بلغه، بل وما يمكن - لا قدّر الله - أن يصل إلى ما قد يصل إليه... لو أمكن إيجاد بديل معقول ومُلزِم لـ«الاتفاق النووي الإيراني».
بناءً عليه، أدى استمرار الفراغ الناجم عن غياب صيغة تلزِم إيران بـ«اتفاق» بديل، إلى ترك الحبل على غاربه لليمين الإسرائيلي لكي يصعِّد ويورّط، ويحرّض ويتوسّع، بدعم وتغطية مطلقين من واشنطن و«لوبي» الإيفانجيليين المتشدّدين. وهكذا، أعطى تشدّد «صقور» طهران - من حيث يدرون أو لا يدرون - بنيامين نتنياهو وزبانيته المتطرّفين الفرصة: أولاً، لتدمير غزة والسعي لتصفية فلسطين شعباً وقضية، وثانياً، لنسف كل إمكانيات السلام مع «جيرانها» بذرائع دفاعية سواء في لبنان أو العراق أو اليمن، ولاحقاً سوريا.
لا شك في أن «أمن الطاقة» عالمياً مسألة حسّاسة جداً لن تتهاون فيها لا واشنطن ولا العواصم الغربية المؤيدة لها في حربها على إيران؛ ولهذا صارت قضية «ضمان حرية الملاحة» عبر مضيقي هرمز وباب المندب مسألة «شبه إجماعية»، حتى عند العواصم الغربية التي لا تتبنّى بالمطلق أولويات الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
في المقابل، لا يبدو في الأفق أن الموقف الأميركي يستطيع «البناء» كثيراً على صمت موسكو وبكين في شأن المضيقين الحيويين اللذين يشكّلان أولوية لكل دول «مجلس التعاون الخليجي». وهذا، مع أنَّ سياسات ترمب، القائمة حالياً على محاولة استرضاء «الكرملين» في شأن الحرب الروسية - الأوكرانية، تثير قلقاً متزايداً في أوروبا.
ومن ناحية أخرى، يبدو لنفرٍ من المراقبين أنَّ الانشغال الغربي بما يحدث في الشرق الأوسط، وما يمكن أن يُقترف فيه من أخطاء مبنية إما على حسابات خاطئة، أو إسرائيلية، يترك الصين مرتاحة، ومركّزة أيضاً على تنفيذ طموحاتها التكنولوجية والاقتصادية على مستوى العالم.
إن فقدان القدرة على «الاحتواء» واقع خطير للغاية في منطقة ملتهبة كالشرق الأوسط.
والسعي إلى خيارات عملية ناجعة، كفيلة بمنع الانزلاق أكثر نحو الكارثة، مطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى. وبالأخص، إذ انفلتت الضوابط بالنسبة للتسلّح عبر «أطراف ثالثة»، أو استغلت جماعات متطرّفة «حكومية»، أو مأجورة، الارتباكات والخلافات في وجهات النظر... لإحداث تصعيد كارثي على مستوى المنطقة.
صحيحٌ أن الأنظار حالياً تتَّجه نحو إيران وما ستقرره واشنطن بشأنها. لكن الأوضاع فلسطينياً باتت كارثية بكل المقاييس. وأيضاً، لا تبدو الآفاق واعدةً أبداً على جبهتي «التوسّع» الإسرائيلي على حساب كل من لبنانَ وسوريا. وهنا، بما يخصّ سوريا تحديداً، لا بدَّ من رصد القراءات التركية بينما يعمل اليمين الإسرائيلي - علانيةً - على توريط أنقرة في صراع مع «العالم المسيحي»... بدءاً من اليونان وقبرص.
أكثر من هذا، إذا تذكّرنا رفع رئيس الحكومة الإسرائيلية أمام الإعلام العالمي خارطة «من الفرات إلى النيل»، فعلينا أن نتنبّه للوسائل التي تستطيع إسرائيل اعتمادها في تحريك الأمور.
وهذه تبدأ من استغلال مسألة «سد النهضة» لصالح إثيوبيا، ولا تنتهي بتأمين البدائل لقناة السويس، العصب الحيوي للاقتصاد المصري، من دون إهمال استحواذ نتنياهو على موطئ قدم في «أرض الصومال» التي «ستريح» أديس أبابا لجهة تأمين منفذ لها على البحر... وتحريرها، بالتالي، من الحاجة إلى تقديم تنازلات لـ«جاراتها» العربيات. هذه صور مختصرة للحالة المقلقة التي تعيشها منطقتنا العربية.
صورة، بتقديري، تستوجب التفكير الجاد، لا التلهّي بتوجه أصابع اللوم، ولا التراشق بالتهم، ولا فتح المعارك الجانبية.