في الذكرى السنوية الثالثة لـ”طوفان الأقصى” ومأساة غزّة التي تسببت بها “حماس” واستغلتها إسرائيل إلى أبعد حدود الوحشيّة، يبدو مشروعا التساؤل أين العرب؟ بل أين إيران؟ وإسرائيل إلى أين؟
بات هذا السؤال، إلى إشعار آخر، من نوع تستحيل الإجابة عنه مثلما تستحيل الإجابة عن أسئلة من نوع جديد مثل ما الذي ستفعله دولة محورية هي المملكة العربيّة السعودية في مواجهة الحوثيين في اليمن؟
ليست الحرب التي يشنها الحوثيون على المملكة، انطلاقا من اليمن، سوى حرب إيرانية تستهدف تأكيد أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة ما زالت تمتلك انيابا وأنّ الحرب التي تواجهها على أرضها قابلة للتوسع في كلّ الاتجاهات وأن مضيق باب المندب الذي هو المدخل إلى البحر الأحمر وإلى قناة السويس مرتبط بمضيق هرمز. ما يحدث بين السعودية وإيران والذي ساحته اليمن سؤال يتعلّق بالحاضر أكثر مما يتعلّق بالمستقبل وما يخبئه لنا. لا لشيء سوى لأن المحكّ كبير جدا. كبير إلى درجة تجعل من الصعب التفكير في المستقبل أو التكهن به في وقت نحن أسرى الحاضر.
تبدو المشاكل التي يعاني منها العالم العربي، أو على الأصح العوالم العربيّة، غير قابلة للحل في المدى المنظور. يعود ذلك إلى أن مفتاح الحلول موجود في معظم الأحيان في طهران وليس في هذه العاصمة العربيّة أو تلك أو لدى جامعة الدول العربيّة، طبعا. تعاني جامعة الدول العربيّة من أزمة بنيوية. تعكس هذه الأزمة حال الترهل العربيّة. أظن أن كلمة ترهّل كلمة لطيفة.
سقوط العراق بيد إيران عام 2003 أحدث خللاً إقليمياً عميقاً جعل طهران حاضرة بقوة في بغداد وأعاد رسم موازين القوى في المنطقة
أعتذر مسبقا من تركيزي على موضوع اعتبره في غاية الأهمية في حال شئنا فهم ما وصلت إليه المنطقة. يكفي، من أجل التأكد من استحالة إعطاء جواب عن سؤال يتعلّق، بمستقبل النظام العربي في افق 2030 ،التفكير في ما آل إليه العراق الذي تحكمه إيران عبر ميليشياتها المذهبيّة. المفارقة أن العراق، الذي نجحت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في نقل تجربة “الحرس الثوري” إليه بات في وضع محيّر. كيف يمكن لنظام حررته الدبابة الأميركية من نظام صدّام حسين الاحتفال بخروج آخر جندي أميركي من العراق وأن يتحدث رئيس الوزراء علي الزيدي عن استعادة البلد لسيادته؟ المفارقة أنّ من يحتفل هذه الأيام باستعادة العراق لسيادته يرفض الاعتراف بأن الأميركي رحل فيما الإيراني بقى. الإيراني حاضر في العراق أكثر من أي وقت… من دون أن يمنع ذلك السؤال أين إيران وإيران إلى أين؟ وما مستقبل نظامها؟
الأخطر من ذلك كلّه أن سقوط العراق في العام 2003، عندما سلمت إدارة جورج بوش الابن البلد إلى إيران أدّى إلى خلل على صعيد التوازن الإقليمي لا تزال المنطقة تعاني منه إلى يومنا هذا.
يأتي التركيز على العراق نظرا إلى أنّ سقوطه في يد إيران كان سقوطا للنظام الإقليمي كله. هذا النظام الذي قام في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية. قد يكون مفيدا التذكير بأنّ سايكس – بيكو كان في 1916 ووعد بالفور في 1917. لم يستوعب العرب يوما ما سايكس – بيكو ولم يفهموا معنى وعد بالفورو المترتب عليه.
لم يكن الاجتياح الأميركي لبلد عضو في جامعة الدول العربية، فيه قوميات عدة، مجرّد سقوط لنظام عراقي متخلف، لا يمكن التأسف على سقوطه. لا مجال لأي أسف في ضوء ما ارتكبه صدّام حسين من أخطاء قاتلة إن في حق العراقيين أو حق دول المنطقة، في مقدّمها الكويت.
على الرغم من ذلك كلّه، كان سقوط النظام العراقي سقوطا لبلد ولحدود فاصلة بين العرب والفرس. تعاني المنطقة كلّها من هذا الخلل الذي جعل طهران تسيطر على بغداد بدل أن يكون العراق بكل مدنه درعا في وجه المشروع التوسعي الإيراني… وهو مشروع استطاع ان تكون له انطلاقة جديدة، في الإقليم كله، انطلاقا من العراق.
من لبنان إلى اليمن ومن غزّة إلى العراق يتكرر السؤال بلا إجابة: كيف يواجه العرب المشروع الإيراني وأي مستقبل ينتظر إسرائيل؟
ليس أين العرب، وأي نظام عربي سيقوم مستقبلا، مجرد سؤال، بمقدار ما أنه سؤال يجر إلى أسئلة لا أجوبة عنها. على سبيل المثال، وليس الحصر، من يخرج إيران من العراق على غرار إخراجها من سوريا؟ هل يمكن إعادة الحياة إلى بلد مثل اليمن، بلد تشظّى كليا بعدما استطاعت إيران، بفضل الحوثيين، السيطرة على جزء منه وتحويله إلى مصدر خطر على السعودية وعلى الملاحة في البحر الأحمر وبالتالي على قناة السويس؟
ما مصير لبنان حيث سلاح “حزب الله” الذي لا يزال يتحكّم بالبلد. هذا السلاح المذهبي، سلاح إيراني، لم يكن من هدف له في يوم من الأيّام غير إخضاع اللبنانيين، وفي مرحلة معيّنة السوريين. كان اللبنانيون وما زالوا هدفا لإيران و”حزب الله”. لم تكن إسرائيل، في أي يوم، سوى ذريعة للاحتفاظ بهذا السلاح.
ما لم يكشفه الاحتلال الإيراني للعراق كشفه “طوفان الأقصى” قبل ثلاث سنوات وتكشفه الاعتداءات الحوثية، أي الإيرانيّة، على السعوديّة. غيّر يحيى السنوار الذي لعب دورا محوريا في شنّ “طوفان الأقصى”، بصفته القيادية في “حماس” دورا في تغيير طبيعة الصراع في المنطقة. انتقل الصراع إلى داخل إيران نفسها.غيّر “طوفان الأقصى” طبيعة إسرائيل التي لم تعد تؤمن سوى بالرغبة في التوسع من أجل المحافظة على امنها.
على الرغم من أن إسرائيل أظهرت أنّها تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية غير طبيعية. يبقى في النهاية سؤال من نوع آخر لا إجابة عنه على غرار السؤال المتعلق بالعرب. هذا السؤال هو إسرائيل إلى أين؟… وأي مستقبل لها من دون مشروع سياسي قابل للحياة بصفة كونها جزءا من المنطقة ودولة من دولها عليها العيش بسلام وأمان مع محيطها ومع الفلسطينيين، كشعب موجود على أرض فلسطين… أي موجود على الخريطة السياسيّة للمنطقة؟