أن يتزنر ابن آدم (إن كان فعلا ابن آدم) بحزام ناسف ويدخل إلى مسجد يفجر الساجدين وهو يصيح الله أكبر، أو يمتشق إرهابي مسدسا أو كلاشنكوفا ويتمرجل على مسالمين يحملون جنازة سيدة من أرحامهم في كنيسة حمود أو غيرها من دور العبادة، لهو فعل خارج عن سياقات العقل والمنطق، فما الذي أوصل تكفيريا إلى هذه الحال، وكيف يفكر هؤلاء أن أفعالهم المنكرة هذه سوف تأخذهم إلى جنة الله وفيها يتنعمون بالحوريات وما لذ وطاب فيها.
لنتفق أولا أن جموع هؤلاء التكفيريين من صناعة أجهزة استخبارية عالمية وموسادية يحركونهم كما تحرك حجارة الشطرنج في لحظات تختارها هذه الأجهزة التي دربت ودعمت ومولت هذه الجماعات المتطرفة لا بل وعالجتهم في بعض الأحيان في مستشفيات صهيونية.
وإذا كان هؤلاء فعلا من صناعة أجهزة استخبارية عالمية فإن الدول التي تؤمن بالارهاب نهجا وسلوكا قادرة على توظيف هؤلاء والاستفادة من خبراتهم الإجرامية في الأوقات التي تحتاجها، فتبقى هذه الخلايا نائمة إلى أن يأتي الأمر لهم لتنفيذ أفعالهم الخسيسة.
مدمرة لكل نفس، صور الجثث والأشلاء في كنيسة حمود في القرية الوادعة التي يقطنها نحو 400 نسمة فقط، وخرج منها عشرات المقاومين والأدباء العالميين، ومرعبةٌ حَدَّ الفاجعة أن لا يشعر الإنسان بالأمان داخل دور العبادة، في المسجد والكنيسة، والمرعب أكثر أن يُقتل وهو راكع أو ساجد لرب العباد في لحظات روحانية لا يمكن أن يفكر فيها أن وحشا بشريا ينتظره ليقتله وهو بين يدي ربه.
المرعب أكثر أن يرتدي القاتل لباسا يعتقد أنه يقربه إلى رب العباد، ويرفع صوته عاليا مكبرا وهو يطلق رصاص سلاحه.. الله اكبر.. الله اكبر.
قالها بكل إبداع ذات يوم الشاعر المصري الجميل جمال البخيت….
دين أبوهم اسمه إيه؟!
دين أبونا يا محمد
أنت سِرَّه ومُبتدأه
أنت إحساسه ومداه
دقة عارفينها ف قلوبنا لَمّا نَخشع للإله
لَمّا نطلب يوم رضاه
لَمّا نركع ..
لمّا نسجد ..
لمّا نفرح بالحياة ..
المشكلة أننا نشاهد ما يفعله التكفيريون والمتطرفون ونصمت عليه مثلما صمتنا على القتل الوحشي الإسرائيلي في قطاع غزة، وصمتنا على بشاعة القتل والإرهاب في سورية والعراق وليبيا واليمن..
ليس غريبًا أن يبلع الناس ألسنتهم تُجاه أحداث مصيرية وحوادث تُغيِّر وجه الأرض والتأريخ، فقد جربنا ذلك في العصر الحديث، منذ احتلال فلسطين وإعلان قيام الكيان الصهيوني الاستيطاني وأعيدت الكَرَّة أكثر من مرة في حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة.. والحروب الجديدة.
لا يزال بيننا مَن يطرح سؤالًا: ما هي مصلحتنا في الوقوف لمحاربة الجماعات التكفيرية ومَن على شاكلتهم؟! الجواب باختصار: بل هو في صميم مصلحتنا، لأن هذا السرطان الجديد، يعمل على تغيير نمط حياتنا، ويفرض تطرفه وجهله علينا.
فلقد خرج من بين أحشائنا، ولم ينتجه الغرب، إنما احتضنه، ودعمه، ووضعه على خط حياتنا ليهددنا به، فمهما حاول محتكرو الخبرة والمعرفة في الحركات الإسلاموية تأكيد أن هذه التنظيمات المتطرفة ليست صناعة صهيونية، فهم مخطئون، وسوف تثبت الأيام، أن الأجندة التكفيرية الصهيونية واحدة، مهما اختلفت ساحات الحرب، ومهما اختلفت معها الاستراتيجية الأميركية والغربية، ولنا في قصة القاعدة وأسامة بن لادن أفضل الأمثلة، فقد صُنعت القاعدة في معامل الولايات المتحدة، وبعد أن انقلب السحر على الساحر، أصبح ابن لادن عدو أميركا الأول.
لا أحد يمرر علينا أن معركة التطرف ليست معركتنا، ولا يتفصحن علينا أحد بطلب الحوار مع هذه التيارات، لأنه أصلا لا تعترف بالحوار ولا بالآخر، ولا تعترف بإسلام أكثر من نصف المسلمين.
من يرفع صوته ضد محاربة التكفيريين والتطرف في كل مكان، هو في الحقيقة من المؤيدين لهذه الأفعال، وهو في داخله مع القتل والسحل وجز الرقاب من الوريد إلى الوريد.
لنتصارح مع أنفسنا قليلًا، ونكشف عن نِيّاتِنا في الأقل أمام أنفسنا، بأن صمتنا ورفضنا للتخلص من هؤلاء التكفيريين وأشكالهم، جزء من المؤامرة علينا وعلى حياتنا المدنية.
فعلا… دين أبوهم اسمه إيه..
الدايم الله…